Home Featured المغرب.. متحف مفتوح للعمارة التراثية حيث تروي الحجارة تاريخ حضارات تعاقبت على أرض المملكة
Featured

المغرب.. متحف مفتوح للعمارة التراثية حيث تروي الحجارة تاريخ حضارات تعاقبت على أرض المملكة

Share
Share

الرباط – المغرب
على أرض تمتد من شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى تخوم الصحراء الكبرى، تنتشر كنوز معمارية نادرة تجعل من المغرب متحفاً مفتوحاً لفنون البناء والتصميم عبر العصور، حيث تحكي المساجد والقصور والقصبات والمدن العتيقة قصة حضارة امتزجت فيها العناصر الأمازيغية والعربية والأندلسية لتشكل هوية معمارية فريدة لا مثيل لها في المنطقة المغاربية .

يعود تميز العمارة المغربية إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي جعلها ملتقى للحضارات المتعاقبة، حيث تعاقبت على البلاد حضارات الأمازيغ والرومان والفينيقيين والعرب والأندلسيين وصولاً إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، ليستفيد المغاربة من هذه التراكمات الحضارية في تشكيل شخصية عمرانية قوية تظل شاهدة على عمق التاريخ وثراء الإبداع المحلي .

وقد أسس الحرفيون والصناع التقليديون المغاربة عبر قرون مدرسة معمارية متكاملة تجمع بين الأصالة والجمال، نقلوها من جيل إلى جيل عبر التلمذة والتعليم الحرفي المتوارث، ليحافظوا على سر جمال هذه العمارة وخلودها حتى اليوم .

تتميز العمارة المغربية بمجموعة من العناصر الزخرفية التي تمنحها هويتها الخاصة، وفي مقدمتها الزليج أو الفسيفساء الخزفية التي تعد بصمة مغربية خالصة، حيث تقطع البلاطات الملونة بألوان الطبيعة المغربية كالأزرق والأخضر والأصفر والبني لتشكل أشكالاً هندسية بديعة تزين جدران المساجد والقصور والنوافير .

وتنتشر الأقواس بأنماطها المتعددة في المعمار المغربي، بدءاً من قوس حدوة الفرس الدائري وصولاً إلى الأقواس المدببة والمفصصة التي اشتهرت بها الأندلس والمغرب، وتظهر بوضوح في مسجد القرويين بفاس ومسجد الكتبية بمراكش وجامع قرطبة الذي يحمل بصمات المعمار المغربي الأندلسي .

أما الأسقف الخشبية المنقوشة فتمثل تحفاً فنية قائمة بذاتها، حيث تزينها نقوش “الزواق” المغربي بألوانه الزاهية وتصاميمه الهندسية المستوحاة من النباتات والخط العربي، فيما تعلو القباب المقرنصات وهي زخارف نحتية تشبه خلايا النحل تتدلى من الأسقف لتخلق لعبة بديعة من الضوء والظلال .

يمثل الرياض المغربي نموذجاً فريداً للعمارة السكنية التقليدية، حيث يدير المبنى ظهره للشارع الخارجي لينفتح على الداخل عبر باحة مكشوفة تتوسطها نافورة رخامية وتحيط بها أشجار البرتقال والليمون، في تصميم يعكس فلسفة الخصوصية في الثقافة المغربية ويوفر ملاذاً هادئاً بعيداً عن صخب المدينة .

وقد تحولت العديد من الرياضات التاريخية في مراكش والصويرة وفاس إلى فنادق ومطاعم تستقبل الزوار من جميع أنحاء العالم، لتقدم لهم تجربة إقامة فريدة داخل جدران تحكي قصصاً من الماضي العريق .

في جنوب المملكة، تنتشر القصبات والقصور الترابية التي تشكل أيقونة معمارية فريدة، حيث تبنى بالطين والقش المجفف تحت أشعة الشمس، لترتفع شامخة بأبراجها المربعة وزخارفها الهندسية البسيطة التي تتناغم مع لون الصحراء الذهبي .

ويعد قصر آيت بن حدو بورزازات أشهر هذه النماذج على الإطلاق، حيث صنفته اليونسكو تراثاً إنسانياً عام 1987، ليصبح وجهة سياحية عالمية وموقعاً لتصوير عشرات الأفلام السينمائية العالمية التي استلهمت سحر هذه العمارة الفريدة .

تمثل المساجد المغربية قمة الإبداع المعماري، وفي مقدمتها جامع الحسن الثاني بالدار البيضاء الذي يعد أكبر مسجد في العالم بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي، ويمتاز بموقع استثنائي فوق مياه المحيط الأطلسي ومئذنة تعلو 210 أمتار تزينها زخارف الزليج والخشب المنحوت والجبص المصقول .

وفي فاس، يظل جامع القرويين الذي أسسته فاطمة الفهرية في القرن التاسع الميلادي شاهداً على دور المرأة المغربية في تشييد المعالم الحضارية، وهو اليوم أقدم جامعة لا تزال تعمل في العالم .

تزخر المغرب بست مدن عتيقة مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تبدأ بفاس ومراكش ومكناس، مروراً بتطوان والصويرة، وصولاً إلى الموقع الأثري لوليلي الذي يحمل بقايا مدينة رومانية تعود للقرن الثالث قبل الميلاد .

وفي العاصمة الرباط، يتجلى المزج بين الأصالة والمعاصرة من خلال مشروع “الرباط مدينة الأنوار” الذي أنتج تحفاً معمارية حديثة مثل المسرح الملكي الذي صممته المعمارية العراقية البريطانية الراحلة زها حديد باستيحاء من العمارة الإسلامية، وبرج محمد السادس الذي يعد أطول برج في أفريقيا بارتفاع 250 متراً .

يبقى سر استمرارية العمارة المغربية متمثلاً في الحرفيين الذين يحافظون على المهارات المتوارثة، فلا يزال معلمو الزليج يقطعون البلاطات يدوياً، ونحاتو الجبص يبدعون مقرنصاتهم بذوق رفيع، ونجارو الخشب ينقشون الأسقف بتفاصيل دقيقة، ليؤكدوا أن العمارة المغربية ليست مجرد حجارة بل فلسفة متكاملة في الحياة والجمال .

Share

Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Articles
Featuredأخبارأخبار السياحةسياحة المغامرات

صناعة الوهم: كيف يُعاد تشكيل التاريخ عبر المنصات؟ (ردود وآراء دولية)

كتب الباحث والرحالة عبدالرحيم العرجان : عقب نشر مقالنا "صناعة الوهم: كيف...

Featuredأخبارأخبار السياحةالسياحة الترفيهيةسياحة المغامرات

850 سائحاً يطلّون على الأقصر عبر 34 بالوناً فجراً

الأقصر - مصرشهدت سماء محافظة الأقصر، صباح اليوم الجمعة، حالة استثنائية من...