جزر فرسان – السعودية
على بعد أميال من سواحل البحر الأحمر، تعود تحفة معمارية نادرة إلى الواجهة السياحية والثقافية في أقصى جنوب غرب المملكة، حيث يشهد مسجد النجدي التاريخي في جزيرة فرسان مرحلة جديدة من التألق ضمن المرحلة الثانية من مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية، في خطوة تهدف إلى صون الهوية العمرانية وإعادة إحياء مواقع التراث الإسلامي العريق كمقاصد دينية وحضارية بارزة .
هذا المعلم الذي أسسه تاجر اللؤلؤ الشيخ إبراهيم بن علي التميمي الملقب بالنجدي عام 1347 هـ الموافق 1928م، استغرق تشييده ثلاثة عشر عاماً ليعكس مزيجاً استثنائياً من الفنون الشرقية الأندلسية، حيث جلب بانيه مواد البناء الأصلية والزخارف والدهانات من الهند، واستقدم بنائين مهرة من اليمن لإنجاز تفاصيله الدقيقة التي تحاكي في جمالياتها زخارف قصر الحمراء في الأندلس .
ويتوسط المسجد حي الصلب في جزيرة فرسان، بشكله المستطيل الذي يمتد على مساحة 29 متراً في الطول و19.4 متراً في العرض، ليتسع بعد أعمال التطوير لنحو 248 مصلياً، وتعلو سقفه اثنتا عشرة قبة فريدة تستند إلى ستة أعمدة ضخمة، تتوزع بين خمسة أسطوانية الشكل وواحد مربع، في نظام إنشائي بديع تزينه نقوش نباتية وهندسية ملونة بألوان طبيعية لا تزال آثارها باقية حتى اليوم .
ويزدان جدار القبلة بأربعة شبابيك مقوسة تحفها زخارف جصية غائرة، تتوسطها تفاصيل المحراب والمنبر اللذين يرجح أنهما جلبا من الهند، بينما تسمح “القمريات” الملونة بالأصفر والأخضر والأحمر والأزرق بمرور أشعة الضوء لترسم لوحات متجددة داخل بيت الصلاة، وفي الجزء الجنوبي يرتفع مصلى مخصص للنساء بنحو 50 سنتيمتراً عن مستوى المسجد الرئيس، ليعكس مرونة التصميم واستيعابه لاحتياجات المجتمع المحلي منذ قرن مضى .
وتتولى شركات سعودية متخصصة في المباني التراثية أعمال تطوير المسجد بإشراف مهندسين وطنيين، لضمان الحفاظ على الهوية العمرانية الأصيلة واستعادة عناصره التاريخية بمواد وتقنيات تراعي معايير الاستدامة الحديثة، ويعمل المشروع على تحقيق التوازن بين أصالة الماضي ومتطلبات الحاضر، في إطار أربعة أهداف استراتيجية تشمل تأهيل المساجد التاريخية للعبادة، واستعادة الخصائص المعمارية، وإبراز البعد الحضاري للمملكة، وتعزيز المكانة الدينية والثقافية لهذه الشواهد الحية على عمق التاريخ الإسلامي في الجزيرة العربية .
ويأتي إدراج مسجد النجدي ضمن مشروع ولي العهد ليعيد تسليط الضوء على جزر فرسان كوجهة سياحية واعدة تزخر بمقومات طبيعية وتراثية فريدة، حيث يتحول هذا الصرح العتيق إلى أيقونة معمارية حية تجسد روابط التبادل الثقافي والتجاري الذي ازدهر عبر مياه المحيط الهندي والبحر الأحمر، لتظل شاهداً على بصمة الإنسان في هذه البقعة الساحرة من أرض المملكة .


Leave a comment