القاهرة – مصر
في اكتشاف أثري استثنائي يعيد تشكيل فهمنا للتاريخ الاجتماعي والعمراني في جنوب مصر، نجحت البعثة الأثرية المصرية–الفرنسية المشتركة في الكشف عن مدينة سكنية متكاملة من الطوب اللبن تعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك في موقع شيخ العرب همام بقرية العركي بمحافظة قنا، ليكشف النقاب عن طبقات تاريخية متراكمة تمتد من العصر البيزنطي وحتى العصر العثماني .
وأسفرت أعمال الحفائر المنهجية في الموقع عن اكتشاف ستة منازل سكنية مكتملة المعالم، تتصل بها مبانٍ خدمية متعددة الاستخدامات، وتجاورها مباشرة منطقة صناعية متكاملة تشير إلى طابع اقتصادي منتج لهذا التجمع السكاني القديم، في دليل على أن المنطقة لم تكن مجرد مساحة سكنية عابرة بل مركزاً حضرياً متكاملاً مارس سكانه أنشطة متنوعة .
الزائر لهذه الوجهة السياحية الفريدة سيكون على موعد مع متعة استثنائية تتمثل في اكتشاف التقنيات المعمارية العبقرية التي ابتكرها الأجداد، حيث تتوزع القباب المشيدة من الطوب اللبن إلى جانب الأسقف المعتمدة على جذوع النخيل، وبقايا الطلاء من الجير الأبيض التي لا تزال تزين الجدران بعد أكثر من ثلاثمائة عام، في لوحة معمارية بديعة تروي قصة التكيف مع البيئة والصحراء .
المشهد السياحي في هذا الموقع يتجاوز مجرد المشاهدة إلى التفاعل الحي مع التاريخ، فالعملات البرونزية المنتشرة وقطع الفخار المتنوعة وألعاب الأطفال والحلي والنسيج التي عثرت عليها البعثة تتحول إلى نافذة حقيقية يطل منها الزوار على نبض الحياة اليومية لسكان صعيد مصر في القرون الماضية، مما يجعل الموقع مقصداً مثالياً لعشاق السياحة التجريبية والثقافية .
لكن المفاجأة الكبرى التي تنتظر عشاق التاريخ والآثار تكمن في اكتشاف الجبانة القبطية التي تعود إلى العصر البيزنطي أسفل المدينة الإسلامية، حيث تتكشف طبقات تاريخية متعددة في موقع واحد يأخذ الزائر في رحلة عبر الزمن تمتد من القرون الأولى للميلاد وحتى العصر العثماني المتأخر .
الجبانة المكتشفة تضم دفنات متنوعة تنقسم بين الدفن المباشر في التربة والدفن المحدد بمداميك الطوب اللبن، وتقدم للسياح فرصة استثنائية لمشاهدة القطع الفخارية واللفائف الكتانية المحفوظة بشكل مذهل، إضافة إلى أجزاء “التونيك” القبطي المنسوج بطريقة القباطي التقليدية والمزين بزخارف نباتية وهندسية وحيوانية إلى جانب أشكال الصليب والرموز القبطية النادرة .
الزوار المهتمون بالفنون القبطية والتراث المسيحي سيجدون في هذا الموقع كنزاً حقيقياً من التفاصيل الفنية التي تروي قصة الغنى الثقافي والديني لصعيد مصر، حيث تتحول الأشرطة الزخرفية الملونة والحروف القبطية المنقوشة إلى كتاب مفتوح عن هوية هذه الأرض وتعدد طبقاتها الحضارية .
الختم النحاسي الذي عثر عليه داخل الجبانة والمخصص لتزيين الكعك يمثل قصة سياحية فريدة من نوعها، فهو دليل مادي نادر على استمرارية العادات الغذائية المصرية عبر آلاف السنين، حيث سيجد الزوار أنفسهم أمام رابط حي يربطهم بالماضي، ويتأملون كيف ظلت ربات البيوت في صعيد مصر حتى اليوم يستخدمن أختاماً مماثلة لتزيين كعك المناسبات والأعياد .
هذا الاكتشاف الضخم يأتي في توقيت استراتيجي مهم، حيث تسعى وزارة السياحة والآثار المصرية إلى إثراء المنتج السياحي الثقافي في صعيد مصر وتوزيع الحركة السياحية على نطاق جغرافي أوسع، بعد عقود من التركيز شبه الحصري على معابد الأقصر وأسوان .
محافظة قنا التي تزخر بمقومات سياحية طبيعية وأثرية هائلة تجد في هذا الكشف الجديد فرصة ذهبية لوضع نفسها على خريطة السياحة الثقافية الدولية، خاصة مع سهولة الوصول إليها عبر شبكة الطرق الجديدة والمطار القريب، إلى جانب توفر بنية تحتية سياحية نامية قادرة على استقبال الوفود والباحثين من جميع أنحاء العالم .
الموقع الجديد يمتلك مقومات استثنائية ليصبح محطة رئيسية في برامج الرحلات الثقافية المتخصصة، حيث يمكن للزوار قضاء يوم كامل في استكشاف طبقات الموقع المختلفة، والانتقال بين المدينة الإسلامية والجبانة القبطية والمنطقة الصناعية، في تجربة متكاملة لا تقتصر على المشاهدة بل تمتد إلى استيعاب عمق التحولات التاريخية والاجتماعية في جنوب مصر .
الخبراء السياحيون يرون في هذا الكشف إضافة نوعية للمنتج السياحي المصري، فهو لا يقدم معبداً فرعونياً أو مقبرة ملكية، بل يقدم تاريخاً اجتماعياً متكاملاً يركز على الإنسان العادي وحياته اليومية ومعتقداته وحرفته، وهو ما يمثل اتجاهاً عالمياً متزايداً في السياحة الثقافية المعاصرة التي تبحث عن الأصالة والتجربة الحقيقية بعيداً عن الصور النمطية .

Leave a comment