الرياض – السعودية
في جنوب المملكة العربية السعودية، وتحديداً على ضفاف وادي نجران الخصيب، يرقد موقع الأخدود الأثري ليكون بمثابة متحف مفتوح يأسر زواره برواياته التاريخية العتيقة التي تمتد لأكثر من 2500 عام . هذا الموقع الذي كان يوماً محطة رئيسية على طريق البخور التجاري، يتحول اليوم إلى وجهة سياحية ثقافية متكاملة بفضل ما يحتضنه من أسوار حجرية شاهدة على عصور ازدهرت فيها الزراعة والتجارة، إلى جانب القلعة المركزية التي شُيدت بين القرن الخامس قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي لتكون شاهداً على تاريخ المنطقة .
إلى جانب قيمته التاريخية، يكتسب الأخدود مكانة روحانية فريدة جعلته مقصداً للحجاج والسياح الدينيين على حد سواء، فهو الموقع الذي خلده القرآن الكريم في سورة البروج بقصة “أصحاب الأخدود”، حيث أضرم الملك اليهودي النار في خندق احتوى على آلاف المسيحيين الذين رفضوا ترك دينهم . وبالتالي، فإن التجول بين أرجاء الموقع لا يقتصر على رؤية الحجارة والآثار فحسب، بل هو رحلة تأملية تلامس عمق التاريخ الإيماني للمنطقة
.

من ناحية الاكتشافات الأثرية، يواصل الموقع إبهار العالم بما يختزنه من كنوز، حيث أظهرت أعمال التنقيب التي بدأت عام 1981 بالتعاون مع فرق بحثية دولية عن وجود كنوز ثمينة، كان أبرزها “كنز نجران” الذي عُثر عليه عام 2018 ممثلاً بجرة فخارية ضمت أكثر من 2850 قطعة فضية تعود لحوالي ألفي عام . علاوة على ذلك، كشفت البعثة السعودية الفرنسية المشتركة خلال موسمها الأخير في أبريل 2025 عن مذبح حجري على شكل رأس ثور وتماثيل برونزية وأفراناً لصهر المعادن، مما يؤكد أن الأخدود لم يكن مجرد مركز ديني بل منطقة صناعية واقتصادية مزدهرة في العصور القديمة .

بالنسبة للسائح الراغب في زيارة هذا الموقع الفريد، يقع الأخدود على بعد 14 كيلومتراً فقط جنوب مدينة نجران، ويجاوره المتحف الإقليمي الذي يعرض القطع الأثرية المستخرجة من الموقع لتعطي صورة أشمل عن الحياة في تلك الحقبة . ونتيجة لهذه الأهمية، يقدم منظمو الرحلات السياحية جولات متخصصة تشمل النقل من أبها وزيارة متحف نجران وقلاع المنطقة مثل قصر الإمارة، مما يجعل تجربة استكشاف الأخدود رحلة متكاملة تمزج بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة الخلابة في جنوب المملكة .
Leave a comment