القاهرة – مصر
في خطوة تعيد رسم خارطة السياحة في القارة السمراء، أعلنت خمس دول أفريقية هي مصر والمغرب وكينيا وتنزانيا وجنوب أفريقيا عن تشكيل تحالف سياحي غير مسبوق، يهدف إلى تقديم تجربة سفر متعددة الوجهات تتيح للزوار استكشاف معالم القارة المتنوعة في رحلة واحدة . ويأتي هذا التحالف في وقت تشهد فيه السياحة الأفريقية زخمًا غير مسبوق، حيث سجلت القارة 74 مليون زائر دولي في عام 2024 بنمو 12% عن العام السابق ، مما يعكس الإمكانات الهائلة التي تمتلكها القارة السمراء لتصبح واحدة من أسرع الوجهات السياحية نموًا في العالم.
وتقود مصر هذا التحالف بوصفها حجر الزاوية في المبادرة، مستفيدة من مكانتها التاريخية كحاضنة للحضارة الفرعونية وامتلاكها شبكة طيران دولية واسعة . وقد أكد وزير السياحة المصري أحمد عيسى خلال منتدى السياحة الأفريقي الذي انعقد مؤخرًا في شرم الشيخ أن القارة الأفريقية شهدت أسرع نمو سياحي عالمي في 2023، مشددًا على ضرورة إنشاء آليات تعاون مشترك لتعزيز التكامل القاري . إلى جانب مصر، تلعب المغرب دورًا محوريًا كبوابة لغرب أفريقيا من خلال تطوير بنيتها التحتية للمطارات والترويج لسياحتها الساحلية والثقافية الفريدة .
أما في شرق القارة، فتشكل كينيا وتنزانيا ثنائيًا استثنائيًا في قطاع السياحة البرية، حيث تركزان على تبسيط إجراءات السفر وإنشاء أنظمة حجز متكاملة تسهل على الزوار التنقل بين محمياتهما الشهيرة مثل ماساي مارا وسيرينغيتي . وتمثل هذه الخطوة امتدادًا لجهود سابقة بدأتها دول شرق أفريقيا من خلال إطلاق العلامة السياحية الموحدة “Visit East Africa – Feel the Vibe” التي تضم ثماني دول في شرق القارة ، مما يعكس توجهًا قاريًا أوسع نحو التكامل السياحي. وتعزز هذا التوجه من خلال مبادرة التوأمة بين جنوب أفريقيا وكينيا التي أطلقت نظام الدخول المتبادل بدون تأشيرة، وهو ما أدى إلى زيادة بنسبة 25% في حركة السفر داخل القارة خلال الربع الأول من عام 2026 .
وتكمن أهمية هذا التحالف في معالجته للتحديات التاريخية التي واجهت السياحة في القارة، وأبرزها تعقيدات الحصول على التأشيرات وضعف الربط الجوي بين الدول الأفريقية. ويعمل التحالف على تطبيق نظام تأشيرة إلكترونية موحدة يجري اختباره حاليًا في اثنتي عشرة دولة أفريقية ، إلى جانب دفع جهود تحرير الأجواء الأفريقية من خلال اتفاقية السوق الجوية الأفريقية الموحدة (SAATM) التي تهدف إلى زيادة الربط الجوي وخفض تكاليف السفر بين الدول الأعضاء . كما تشمل جهود التحالف تطوير البنية التحتية السياحية بشكل متكامل، مع التركيز على الاستدامة البيئية التي أصبحت أولوية للمسافرين في عصرنا الحالي .
ولا تقتصر فوائد هذا التحالف على تسهيل حركة السياح فحسب، بل تمتد إلى تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة للدول الأعضاء، حيث يسهم قطاع السياحة حاليًا بنحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا ويوفر فرصة عمل لكل 14 شخصًا في القارة . ومن المتوقع أن تؤدي جهود التكامل هذه إلى زيادة مدة إقامة السائحين في القارة، حيث يمكن للزائر الجمع بين مشاهدة الأهرامات في مصر والتجول في أسواق مراكش ورحلات السفاري في كينيا والاسترخاء على شواطئ جنوب أفريقيا في رحلة واحدة . وفي هذا السياق، صرح وزير السياحة المصري أن الاستراتيجية الوطنية للسياحة تستهدف تحقيق معدلات نمو سنوية تتراوح بين 25% و30%، لجذب 30 مليون سائح بحلول عام 2028 .
ويمثل هذا التحالف السياحي الأفريقي نموذجًا جديدًا للتعاون القائم على استكمال المزايا النسبية لكل دولة، حيث تتنوع المقومات السياحية بين التاريخ العريق في شمال القارة والطبيعة البرية الخلابة في شرقها والتنوع الثقافي والحضري في جنوبها . ومع استمرار الجهود لتذليل العقبات اللوجستية وتوحيد السياسات السياحية، تتجه أفريقيا بثبات نحو تحقيق رؤيتها في أن تصبح وجهة سياحية متكاملة تنافس كبرى الوجهات العالمية، وتقدم للعالم تجربة سفر استثنائية تجمع بين عراقة الماضي وحيوية الحاضر.
Leave a comment