القصيم – السعودية
تشهد منطقة القصيم في السعودية تحولاً سياحياً وثقافياً لافتاً، حيث برزت شبكة من المتاحف الخاصة المرخصة التي يبلغ عددها قرابة 20 متحفاً كرافد حيوي لقطاع السياحة الثقافية، وذلك بعد أن كانت مجرد منازل عائلية ومقتنيات شخصية تحولت إلى وجهات تراثية معترف بها رسمياً تحت إشراف الهيئة السعودية للسياحة. وتمثل هذه المتاحف نقلة نوعية نحو الحفاظ على الموروث المحلي بجهود مجتمعية فردية، مع إتاحتها للزوار السعوديين والسياح الأجانب الراغبين في استكشاف تاريخ المنطقة وتراثها الأصيل .

ويقدم هذا التنوع في المتاحف الموزعة في أنحاء القصيم نافذة حميمية على ماضي المنطقة، إذ يعكس كل متحف رؤية فريدة وشغفاً خاصاً بمؤسسه، فمن أبرز هذه الصروح الثقافية متحف العقيلات في مدينة بريدة الذي أسسه عبد اللطيف الوهيبي، حيث يحتفظ بمجموعة استثنائية تضم أكثر من 10 آلاف وثيقة ومخطوطة وأداة وخريطة، توثق بالتفصيل طرق التجارة القديمة التي كانت تربط القصيم بلاد الشام ومصر والعراق وما وراءهما. وتكرم قاعات المتحف تجار العقيلات الشهيرين وقوافل الجمال والعائلات التجارية التي ساهمت رحلاتها في ازدهار شبه الجزيرة العربية ونشر الثقافة السعودية في أراض بعيدة شملت الهند والصين .
أما قصر الدبيخي للتراث فيعد مثالاً باذخاً على تحويل الموروث الشخصي إلى كنز عام، إذ شُيد القصر في الأصل كمنزل عائلي على الطراز المعماري النجدي التقليدي من الطين، قبل أن يحوله مؤسسه إلى متحف افتتح رسمياً في 30 إبريل 2012. يتجول الزوار اليوم في 12 غرفة متفاوتة المساحة تحتوي على نحو 3000 قطعة أثرية متنوعة، تتراوح بين أواني الطهي وأدوات القهوة ونظم الري التقليدية والأدوات الزراعية، إلى جانب مجموعة غنية من الصور الفوتوغرافية القديمة توثق الحياة في بريدة قبل ستين عاماً. ويحتفظ القصر أيضاً بمقتنيات فريدة تشمل صحفاً إسلامية وعربية يعود تاريخها إلى أكثر من 150 عاماً، وقطعاً أثرية من الحربين العالميتين الأولى والثانية، وألعاباً شعبية كان يمارسها أطفال المنطقة قديماً .
وما يميز هذه المتاحف الخاصة عن المتاحف الحكومية الكبرى هو أسلوب التنظيم الفردي العميق، والشغف الواضح الذي يضفيه مؤسسوها، فمتحف الشماسية للتراث الذي أسسه عبد الله البراك بعد حصوله على الترخيص من الهيئة السعودية للسياحة، يجمع مخطوطات نادرة وأدوات تراثية وعملات قديمة وحرفاً يدوية رائعة جمعها على مدى عمر، إذ يختار كل قطعة بعناية للاحتفاء بالتاريخ الغني للمنطقة. وبإمكان الزوار الباحثين عن تجربة ثقافية شاملة الانضمام إلى جولات سياحية تراثية منظمة، تدمج زيارة المتاحف بالتوقف عند بيت البسام التراثي وسوق المسوكف وقرية الرفيعة التراثية التي تتميز ببيوتها الطينية وأبراج المراقبة التقليدية
.

ويأتي صعود هذه المتاحف الخاصة في القصيم متوافقاً بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع القطاع السياحي والحفاظ على التراث الوطني، إذ عزز العديد من هذه المؤسسات تجربة الزائر من خلال توفير مساحات لأسواق موسمية يمكن للضيوف من خلالها شراء الحرف اليدوية التقليدية وتذوق الأطباق المحلية، بل والمشاركة في شراء أو بيع القطع التراثية خلال فعاليات الربيع والصيف والشتاء. وبهذا التحول، لم يعد أصحاب المتاحف في القصيم مجرد حراس لماضيهم الخاص، بل باتوا مساهمين فاعلين في تحقيق رؤية المملكة الطموحة لمجتمع نابض بالحياة غني بالثقافة، يستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم لاستكشاف كنوز المنطقة الأصيلة .
Leave a comment