القاهرة – مصر
عززت مصر مكانتها كواحدة من أهم وجهات السياحة الثقافية في العالم بعد إعلان كشفين أثريين بارزين في القاهرة ومحافظة بني سويف، في اكتشافات تسلط الضوء على مراحل تاريخية متعاقبة تمتد من الحضارة المصرية القديمة إلى العصرين اليوناني والروماني، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين والزوار المهتمين بالتراث الإنساني.

وفي منطقة المطرية بالقاهرة، نجحت بعثة أثرية مصرية في الكشف عن مجموعة جنائزية نادرة داخل مقبرة “بانحسي”، لتسجل أول مجموعة شبه متكاملة من هذا النوع يتم العثور عليها في المنطقة التي قامت فوقها مدينة هليوبوليس القديمة، أحد أهم المراكز الدينية في مصر القديمة. ويضم الكشف مرآة نحاسية ومكحلتين من مرمر الألباستر احتفظتا ببقايا من الكحل المستخدم قبل آلاف السنين، إضافة إلى أقراط ذهبية وتمائم وأوانٍ من الفيانس الأزرق وأحجار كريمة من العقيق واللازورد، وهي مقتنيات تعكس مستوى الثراء والرمزية الدينية المرتبطة بطقوس الدفن لدى المصريين القدماء.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية خاصة لكونه يقدم صورة أكثر وضوحاً عن الحياة اليومية والمعتقدات الجنائزية في هليوبوليس، التي كانت مركزاً رئيسياً لعبادة الشمس وأحد أبرز المدن المقدسة في العالم القديم، ما يضيف بعداً جديداً لفهم تطور الحضارة المصرية عبر العصور.
وفي الوقت نفسه، شهدت منطقة إهناسيا الأثرية بمحافظة بني سويف كشفاً لا يقل أهمية، حيث عثرت بعثة مصرية على بقايا معبد يعود إلى العصر اليوناني ورأس تمثال رخامي نادر للإلهة أفروديت، التي ارتبطت في الميثولوجيا اليونانية بالحب والجمال. ويؤكد هذا الاكتشاف المكانة التاريخية لإهناسيا، المعروفة قديماً باسم هيراكليوبوليس ماجنا، والتي لعبت دوراً محورياً خلال فترات متعددة من التاريخ المصري.
كما أسفرت أعمال الحفائر عن العثور على خرطوش يحمل اسم الملك سنوسرت الثالث، أحد أبرز ملوك الدولة الوسطى، إلى جانب خرطوش آخر مرتبط بالإله أوزوريس، ما يعزز الأدلة على الأهمية الدينية والسياسية التي تمتعت بها المدينة عبر قرون طويلة. وكشفت البعثة كذلك عن أجزاء معمارية لبازيليكا رومانية وبقايا معبد ذي طراز دوري، فضلاً عن تماثيل جدارية وقوالب فخارية استخدمت في سك العملات خلال العصر الروماني، الأمر الذي يعكس تعاقب الحضارات وتنوع التأثيرات الثقافية في الموقع.
ويرى خبراء الآثار أن هذه الاكتشافات تمثل إضافة مهمة إلى سجل التراث العالمي، ليس فقط بسبب قيمتها العلمية، بل أيضاً لما تحمله من إمكانات سياحية واعدة. فالمواقع الأثرية الجديدة تساهم في توسيع خريطة السياحة الثقافية في مصر وتشجع على توزيع الحركة السياحية خارج المسارات التقليدية، بما يدعم جهود التنمية المستدامة والحفاظ على التراث.
وتأتي هذه النتائج ضمن استراتيجية وزارة السياحة والآثار الرامية إلى تطوير المواقع الأثرية وتعزيز جاذبية المقاصد التاريخية المصرية أمام الزوار الدوليين، خاصة أن إهناسيا كانت عاصمة لمصر خلال الأسرتين التاسعة والعاشرة، ما يجعل كل اكتشاف جديد فيها إضافة مهمة لفهم تاريخ إحدى أعرق الحضارات الإنسانية.
Leave a comment