سيناء – مصر
في تطور يعيد رسم خريطة السياحة الأثرية في منطقة الشرق الأوسط، كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في تل الفرما بمدينة بلوزيوم الأثرية بشمال سيناء عن بقايا معبد ضخم يعود للعهد اليوناني الروماني، كان مخصصاً لعبادة الإله “زيوس كاسيوس”، وهو ما يمثل مزيجاً فريداً من الميثولوجيا اليونانية والمعتقدات السورية القديمة التي كانت سائدة في المنطقة خلال العصرين البطلمي والروماني. ويعود هذا الاكتشاف الاستثنائي الذي جاء تتويجاً لستة أعوام من أعمال الحفائر المتواصلة، ليكون بمثابة جوهرة جديدة تضاف إلى تاج المواقع الأثرية في سيناء، التي تستعد لاستقبال زوارها من عشاق التاريخ والتراث من جميع أنحاء العالم.

فمن حيث الأثر المتوقع على قطاع السياحة، تأتي هذه الإعلانات في إطار خطة تطوير شاملة تتبناها وزارة السياحة والآثار المصرية بهدف إعادة إحياء المواقع الأثرية في سيناء وفتحها أمام الزوار، مما سيسهم بشكل كبير في جذب السائحين المهتمين بالسياحة الثقافية والنخبوية إلى هذه المنطقة التي طالما اشتهرت بشواطئها الخلابة فقط. وقد تم بالفعل الانتهاء من أعمال الترميم والحفظ لعدد من المنشآت الحيوية في بلوزيوم، بما في ذلك أسوار وأبراج القلعة القديمة الممتدة على مساحة 80 ألف متر مربع، والحمام الروماني الجنوبي، وكنيسة الروتوندا الغربية التي تعتبر نموذجاً معمارياً نادراً يعود للقرن الخامس الميلادي. وبالتالي، فإن إضافة المعبد المكتشف حديثاً إلى هذه المسارات السياحية سيعزز من جاذبية المنطقة، ويحولها إلى وجهة متكاملة تجمع بين متعة الشواطئ وعمق التاريخ.
من ناحية أخرى، وبالنسبة لتفاصيل المعبد نفسه، فقد أوضح الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للآثار، أن الموقع تم تحديده بناءً على بقايا بوابة ضخمة مكونة من عمودين من الجرانيت الوردي الضخم، وقد انهارت هذه البوابة بالكامل نتيجة زلزال قوي ضرب المدينة في العصور القديمة. وقد بني المعبد نفسه من الطوب اللبن على منصة مرتفعة من الحصى والحجارة المكسورة، بينما كانت سقفه محمولة على أعمدة من الجرانيت الوردي المستورد، مما يدل على الأهمية الكبيرة لهذا المرفق الديني. علاوة على ذلك، عثر الفريق على مجموعة من الكتل الجرانيتية التي يعتقد أنها كانت تشكل سلماً للمصلين للصعود إلى منصة المعبد، بالإضافة إلى نقوش يونانية قديمة تشير إلى أن الإمبراطور الروماني هادريان (الذي حكم بين 117 و138 ميلادية) هو من أمر بتجديد المعبد وإجراء أعمال الصيانة فيه.
تجدر الإشارة إلى أن مدينة بلوزيوم القديمة، والتي تقع على بعد حوالي 30 كيلومتراً جنوب شرق مدينة بورسعيد الحديثة، كانت تمثل بوابة مصر الشرقية وأول خطوط الدفاع عنها، مما جعلها مسرحاً للعديد من المعارك الفاصلة عبر العصور. كما يعتقد الباحثون أن هذا الموقع هو نفسه “سين” المذكورة في الكتاب المقدس، مما يضيف بعداً روحانياً وتاريخياً إضافياً يزيد من أهميته كوجهة للحجاج والسياح الدينيين على حد سواء. ونتيجة لهذا الإرث الحافل، فإن وزارة السياحة والآثار تستعد حالياً لدراسة إمكانية تجهيز المعبد وغيره من المباني المرممة لاستقبال الجمهور قريباً، كجزء من الجهد الوطني لتنمية شبه جزيرة سيناء والترويج لمعالمها الفريدة على المستوى الدولي.
Leave a comment