Home Featured مرمريتا جوهرة سورية تجمع بين تاريخ ألفي عام وسحر الجبال المطلة على البحر المتوسط
Featured

مرمريتا جوهرة سورية تجمع بين تاريخ ألفي عام وسحر الجبال المطلة على البحر المتوسط

Share
Share

دمشق – سوريا
في قلب وادي النصارى على بعد ستين كيلومتراً غرب مدينة حمص، تتربع بلدة مرمريتا على سفح جبل السائح المطل على البحر المتوسط، لتقدم نموذجاً فريداً للسياحة التاريخية والطبيعية في سوريا، حيث تمتد جذورها في عمق التاريخ لألفي عام، بينما تحتضن اليوم واحدة من أنجح تجارب السياحة المجتمعية في المنطقة .

يعود تاريخ مرمريتا إلى العصور الفينيقية، حيث تدل الآثار التي عثر عليها أثناء حفر أساسات المنازل على قدم الاستيطان البشري في هذه البقعة، ويعتقد أن البلدة تعرضت لزلازل مدمرة ضربت الساحل السوري عام خمسمئة وأربعين ميلادية، مما أدى إلى اندثار البلدة القديمة تحت الجبل، بينما لا يزيد عمر البلدة الحالية عن ثمانمئة عام، وأول العائلات التي سكنتها قدمت من حوران جنوب سوريا ومن لبنان منذ القرن الخامس عشر الميلادي .

أما عن أصل التسمية، فتشير المراجع التاريخية إلى أن الاسم مرمريتا محرف عن السريانية، حيث كان يوجد في الموقع معبد لقديسة تدعى مرتا، عُرف باسم مار مرتا أي معبد القديسة مرتا، وتطور الاسم عبر الزمن إلى ما مريتا ثم مرمريتا، بينما يرى باحثون أن المعنى الأصلي يعود إلى كلمة ماماروثا السريانية التي تعني سيدة السيدات أو قديسة القديسات، وهناك من يرجح أن الاسم يعني المكان المطل أو المشرف نظراً لموقعها الجغرافي الفريد .

ترتفع مرمريتا ثمانمئة وخمسين متراً عن سطح البحر، وتتمتع بمناخ متوسطي معتدل صيفاً بارد شتاءً حيث تتساقط الثلوج لخمسة وعشرين إلى ثلاثين يوماً في العام، وتحيط بها الجبال الخضراء وتنابيع الماء العذبة مثل عين الشايبة وعين الصحن وعين زريق، مما يجعلها مصيفاً طبيعياً بامتياز، وتطل مباشرة على البحر المتوسط من جهة الغرب بينما تبعد عن الحدود اللبنانية الشمالية اثني عشر كيلومتراً فقط كخط نظر مباشر .

يبلغ عدد سكان البلدة في الشتاء نحو تسعة آلاف نسمة، لكن العدد يقفز في الصيف إلى ستة عشر ألف نسمة بل وصولاً إلى خمسة وعشرين ألف نسمة بحسب بعض التقديرات، وذلك بفضل عودة المغتربين من الأمريكيتين وأستراليا وأوروبا إضافة إلى تدفق السياح من سوريا ولبنان والخليج العربي للتمتع بالطبيعة والهواء النقي، وتتميز مرمريتا بارتفاع نسبة المتعلمين فيها حيث تشير إحصائيات قديمة إلى وجود مئتي طبيب من أبنائها قبل عقود .

تشكل الكنائس معالم دينية وحضارية بارزة في مرمريتا، حيث تضم البلدة ثلاث طوائف مسيحية هي الروم الأرثوذكس البيزنطيين والروم الكاثوليك الملكيين والأنجيليين البروتستانت، وتنتشر فيها كنائس تاريخية أبرزها كنيسة مار سابا القديمة إضافة إلى دير رائع، وإلى جانب المقدسات الدينية تحتفظ البلدة بمعمارها التقليدي المميز المتمثل في منطقة السهلة وهو سوق قديم لا يزال محافظاً على طابعه التراثي من حجارة وعقود وأقواس، والدهليز وهو مبنى على شكل قوس من الحجارة الكلسية المحلية يمر تحته شارع ضيق .

أما أشهر حدث سياحي في مرمريتا فهو الكرنفال السنوي الذي يقام في الرابع عشر من آب من كل عام بمناسبة عيد السيدة العذراء، ويستمر عدة أيام تتخللها حفلات موسيقية واستعراضات شعبية وفعاليات ثقافية، ويشارك فيه آلاف الزوار من سوريا والخارج إضافة إلى المغتربين العائدين، ويشكل الكرنفال نموذجاً فريداً للسياحة المجتمعية حيث يعتمد على تبرعات أبناء البلدة داخل الوطن وخارجه، ويمثل فرصة سنوية للقاء العائلات الممتدة عبر القارات واستعادة الذكريات والتواصل بين الأجيال .

لا تقتصر تجربة الزائر على مرمريتا وحدها، فالموقع الاستراتيجي للبلدة يجعلها قاعدة مثالية لاستكشاف أبرز معالم وادي النصارى، على رأسها قلعة الحصن الأثرية المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو والتي تبعد مسافة قصيرة، ودير مار جرجس الحميراء في المشتاية الذي يعود للقرن السادس الميلادي، ونبع الفوار في الزويتينة وهو ظاهرة طبيعية فريدة تثير فضول العلماء والزوار، وتمثال السيدة العذراء الذي يرتفع ثلاثين متراً فوق قمة جبل السايح في بلدة الناصرة المجاورة ليكون الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط .

ويزخر وادي النصارى بمقومات سياحية متكاملة تجمع بين التراث الديني والطبيعة الخلابة والبنية التحتية الحديثة، حيث تضم المنطقة جامعتين خاصتين هما جامعة الوادي الدولية وجامعة الحواش، إضافة إلى منتجعات سياحية ومقاصف ومطاعم تنتشر على الجبال وتطل على مناظر بانورامية ساحرة، كما تشتهر بإنتاج الزيتون والعنب والتفاح في أراضيها الخصبة التي تروى من سد المزينة .

وبفضل هذا المزيج الفريد من التاريخ الضارب في القدم والطبيعة الخلابة والتراث الثقافي والمهرجانات السنوية، تقدم مرمريتا نموذجاً متكاملاً للسياحة المستدامة القادرة على استقطاب الزوار على مدار العام، وحماية التراث مع خلقال فرص اقتصادية للمجتمع المحلي، وتعزيز صورة سوريا كوجهة سياحية غنية بالمقومات ومفتوحة على العالم

Share

Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Articles
Featuredأخبارأخبار السياحةسياحة المغامرات

صناعة الوهم: كيف يُعاد تشكيل التاريخ عبر المنصات؟ (ردود وآراء دولية)

كتب الباحث والرحالة عبدالرحيم العرجان : عقب نشر مقالنا "صناعة الوهم: كيف...

Featuredأخبارأخبار السياحةالسياحة الترفيهيةسياحة المغامرات

850 سائحاً يطلّون على الأقصر عبر 34 بالوناً فجراً

الأقصر - مصرشهدت سماء محافظة الأقصر، صباح اليوم الجمعة، حالة استثنائية من...