الرباط – المغرب
تشهد السياحة المغربية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، حيث باتت المملكة تستقطب أسواقاً سياحية جديدة تعيد تعريف خريطة الوجهات العالمية، وذلك في ظل ديناميكيات إقليمية متغيرة وجهود وطنية طموحة لتنويع قاعدة الجذب.
فبينما تتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، يتحول السياح الروس بشكل متزايد نحو المغرب كوجهة بديلة، مسجلين حضوراً لافتاً في فنادق مراكش المصنفة التي شهدت ارتفاعاً في الحجوزات بنسبة 20% مقارنة بالفترات المعتادة، وفق معطيات مهنية حديثة . ويعكس هذا التحول تخلي الزوار الروس عن وجهات تقليدية في الخليج العربي مثل دبي، لصالح “عاصمة النخيل” التي تقدم مزيجاً فريداً من الاستقرار والمناخ المعتدل والثراء الثقافي . وقد استجابت شركات الطيران لهذا الإقبال المتزايد عبر زيادة طاقتها الاستيعابية على خطوط مراكش وأكادير بنسب تراوحت بين 10% و20%، إلى جانب افتتاح مسارات غير مباشرة جديدة . بيد أن تحدياً لوجستياً لا يزال قائماً، إذ يطالب مهنيو القطاع بتعزيز الربط الجوي المباشر بين المدن الروسية الكبرى، موسكو وسان بطرسبورغ، والمدن المغربية لاستكمال جاذبية الوجهة واستقطاب شريحة السياح ذوي الإنفاق المرتفع .
على صعيد متصل، يضع المغرب السوق الهندية نصب عينيه، حيث تستهدف استراتيجية وطنية طموحة رفع عدد الزوار الهنود إلى 80 ألفاً خلال العام الجاري، بعد أن سجلت البلاد 54 ألف زائر هندي عام 2025، محققة نمواً بنسبة 31% مقارنة بالعام الذي سبقه . ويأتي هذا النمو مدعوماً بجهود ترويجية مكثفة بدأت عام 2023، إلى جانب تسهيلات التأشيرة الإلكترونية التي تستغرق من بضع ساعات إلى أربعة أيام عمل فقط . غير أن تحقيق قفزة نوعية في هذا السوق يظل رهناً بتسيير رحلات جوية مباشرة بين البلدين، إذ يعتمد المسافرون حالياً على رحلات ربط عبر مراكز عبور في غرب آسيا أو أوروبا، مما يطيل مدة السفر ويزيد التكاليف . ويشير جمال كيليتو، المدير العام لمكتب السياحة المغربي في الهند، إلى أن بلوغ عتبة المئة ألف زائر سنوياً ستجعل من الرحلات المباشرة خياراً مجدياً اقتصادياً .
في السياق ذاته، تنفتح المملكة على السوق الصينية الواعدة، حيث تندرج ضمن استراتيجية قارية تتبناها دول أفريقية عدة لتسهيل وصول السياح الصينيين عبر تبسيط إجراءات التأشيرات وتحسين البنية التحتية . ويأتي هذا التوجه متسقاً مع رؤية المغرب لتنويع الأسواق المصدرة للسياحة وتقليل الاعتماد على الأسواق الأوروبية التقليدية.
وتكتسب هذه الجهود زخماً إضافياً من الاستثمارات الضخمة التي يشهدها القطاع، حيث كشفت فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة، عن خطة طموحة تشمل افتتاح 80 مساراً جوياً جديداً عام 2025، مع توقع توفير 14.5 مليون مقعد جوي عام 2026 بنمو 20%، إلى جانب إضافة 43 ألف سرير فندقي جديد وإطلاق برنامج “Go Tourism” لدعم 1700 مؤسسة سياحية . وتعزز هذه المبادرات مكانة المغرب كوجهة آمنة ومستقرة، في وقت تتزايد فيه شعبية المملكة كملاذ سياحي بفضل استقرارها النسبي ومناخها المعتدل وتنوع منتجاتها السياحية التي تمتد من شواطئ أكادير إلى أسواق مراكش وجبال الأطلس وصحرائها الخلابة .
Leave a comment