حلب – سوريا
في ريف حلب الشرقي، وعلى ضفاف نهر الفرات العظيم، تتربع قلعة نجم كواحدة من أروع الوجهات السياحية غير المكتشفة في سوريا. يعود تاريخ هذا الصرح الحجري إلى ما قبل الإسلام، حيث تشير المصادر إلى أن موقع القلعة كان حصناً رومانياً قبل أن تظهر أول إشارة عربية إليها في القرن السابع الميلادي تحت اسم “جسر منبج”. يطل هذا المعلم الشامخ اليوم على بحيرة سد تشرين، ليشكل مشهداً يأسر القلوب بجماله الطبيعي وتاريخه العريق.

لمن يبحث عن مغامرة استثنائية، تبدأ الرحلة بالوصول إلى مدينة منبج، ثم التوجه شرقاً نحو نهر الفرات حيث تظهر القلعة كحارس أسطوري يرتفع 68 متراً فوق مياه النهر. عند الاقتراب، يجد الزائر نفسه أمام بوابة ضخمة ذات انعطافات أربعة تعود إلى العصر الأيوبي، وتحديداً إلى عهد الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي (1186-1216م)، الذي أعاد بناء القلعة ونقش اسمه على جدرانها الحجرية التي ما تزال شاهدة حتى اليوم.
بمجرد اجتياز المدخل، تبدأ المتعة الحقيقية. يمكن للزائر التجول في أروقة القلعة التي تتألف من ثلاثة طوابق، واكتشاف قصر الإمارة بحماماته القديمة، والمسجد ذي الباحة المزدوجة الذي يطل على الفرات، وهو طراز معماري نادر لا يوجد سوى في مسجد الحمراء بالأندلس. كما تضم القلعة مستودعات وقاعات سرية وآباراً محفورة في الصخر، إضافة إلى ناعورة مائية تؤكد عبقرية الهندسة القديمة. وقد وصفها ياقوت الحموي في معجم البلدان قبل ثمانية قرون بأنها “حصن حصين مشرف على الفرات”.
ما يجعل زيارة قلعة نجم تجربة فريدة، هو الموقع الساحر على ضفاف بحيرة سد تشرين، حيث يمكن للزوار الاستمتاع بنزهات هادئة، والتقاط الصور التذكارية للقلعة المنعكسة على مياه البحيرة. كما توفر المنطقة المحيطة فرصاً رائعة لرحلات التخييم والاستمتاع بغروب الشمس خلف أسوار القلعة التي شهدت تعاقب البيزنطيين والفاطميين والزنكيين والمماليك عبر قرون طويلة، ورغم ما تعرضت له القلعة من أضرار خلال سنوات النزاع، إلا أنها لا تزال تحتفظ بجزء كبير من هيكلها الأصلي، لتبقى شاهداً على أصالة المنطقة.
ينصح السائحون بزيارة قلعة نجم خلال فصلي الربيع والخريف، حيث الطقس معتدل والمناظر الطبيعية في أبهى صورها. كما يُفضل تخصيص نصف يوم على الأقل لاستكشاف القلعة والمناطق المحيطة بها، مع إمكانية الجمع بين الزيارة ورحلة نيلية قصيرة على بحيرة سد تشرين.
باختصار: قلعة نجم ليست مجرد حجارة أثرية، بل تجربة سياحية متكاملة تمزج بين التاريخ والطبيعة والمغامرة. من الرومان إلى الأيوبيين، ومن ياقوت الحموي إلى اليوم، تظل هذه القلعة حارسة لنهر الفرات، تنتظر من يكتشفها ويعيد إليها بريقها السياحي.
Leave a comment