بيروت – لبنان في زمن تتسابق فيه المدن لاثبات حضورها السياحي، تقف جبيل اللبنانية شامخةً كواحدة من أقدم مدن العالم التي لم تعرف الانقطاع في السكن البشري منذ الألف السابع قبل الميلاد، حيث يعود تاريخ الاستيطان الأول فيها إلى فترة الحضارة النيوليتية ما بين 8800 و7000 قبل الميلاد، لتكون بذلك المدينة التي شهدت ولادة الحضارة الفينيقية وابتكار الأبجدية الأولى التي شكلت الأساس الذي قامت عليه كل الأبجديات الغربية المعاصرة، وهو ما جعلها محط أنظار منظمة اليونسكو التي أدرجتها على لائحة التراث العالمي عام 1984 باعتبارها متحفاً مفتوحاً يروي قصة سبعة آلاف عام من التفاعل الحضاري والإنساني .

تتجلى عبقرية المكان في جبيل في ذلك التراكم الطبقي الفريد للحضارات التي تعاقبت عليها، حيث يمكن للزائر أن يقف على ذات البقعة التي شيد فيها الفينيقيون معابدهم الكبرى مثل معبد المسلات الذي يعود للألف الثالث قبل الميلاد ومعبد بعلات جبيل الذي شيد حوالي 2700 قبل الميلاد، ليجد نفسه بعد خطوات قليلة أمام المدرج الروماني الذي يعود للقرن الثالث الميلادي والذي لا تزال مقاعده الحجرية تنتظر عشاق الفنون القديمة، ثم يرفع رأسه ليرى قلعة جبيل الصليبية الشامخة التي بناها الصليبيون في القرن الثاني عشر على أنقاض تحصينات فاطمية سابقة، لتتحول هذه القلعة فيما بعد إلى شاهد حي على صراعات صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين، قبل أن تتحول اليوم إلى أشهر معلم سياحي في المدينة تعلو أسواره المطلة على البحر الأبيض المتوسط لتقدم للزوار لوحة بانورامية تأسر الأنظار .
أما على الصعيد الطبيعي، فقد حبا الله هذه المدينة الساحلية بموقع استثنائي على شاطئ البحر الأبيض المتوسط جعل منها ملتقىً فريداً للجبال والبحر، حيث تلتقي الصخور المطلة على المياه الفيروزية مع الرمال الذهبية التي تمتد على شواطئها العامة مثل شاطئ البصة وشاطئ تيتانيك الأكثر خصوصية، لتشكل متنفساً لعشاق السباحة والرياضات المائية كالتجديف بالكايااك والتزلج على الماء، هذا فضلاً عن الممرات الطبيعية المحيطة بالوادي والتي تتيح للزوار فرصة استكشاف التكوينات الجيولوجية الفريدة التي تميز الساحل اللبناني، ناهيك عن الكهوف والمغائر التي تخفي في جوفها أسراراً لا تزال تنتظر من يكتشفها .

لا تكتمل زيارة جبيل دون الغوص في تجربة الأسواق القديمة والأحياء التاريخية التي لا تزال تحتفظ بطابعها العثماني والمملوكي، حيث يمكن للزائر التجول في الأزقة المرصوفة بالحصى بين البيوت الحجرية القديمة والمحال التجارية التي تبيع الحرف اليدوية والتحف التقليدية، ليصل بعدها إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان التي بدأ العمل فيها عام 1116 على الطراز الروماني وتحولت إلى كاتدرائية قبل أن يقتطعها الأمراء الشهابيون ويهبوها للطائفة المارونية في منتصف القرن الثامن عشر، كما يمكنه زيارة المسجد العمري الكبير الذي يعود للعصر المملوكي والذي جدد ترميمه السلطان عبد المجيد في منتصف القرن السابع عشر، ليؤكد هذا التعايش الديني والمعماري على الهوية المتسامحة التي طالما تميزت بها هذه المدينة العريقة .
تكتمل لوعة الجمال في جبيل عندما يحين موعد الغروب على الميناء القديم الذي يعود تاريخه إلى أكثر من خمسة آلاف عام، حيث كان الفينيقيون يودعون سفنهم المحملة بخشب الأرز والنبيذ والزيتون لتبحر به إلى أقاصي العالم المعروف آنذاك، ليتحول اليوم إلى ممشى سياحي تصطف على جانبيه المطاعم السمكية الشهيرة التي تقدم أشهى الأطباق التقليدية كالسمك البيزرة والتبولة والمناقيش بالزعتر، بينما ترسو فيه يخوت السياح القادمين من مختلف دول العالم كما كانت تفعل السفن التجارية في الأزمنة الغابرة، وفي الصيف تتحول المدينة إلى مسرح مفتوح يستضيف مهرجان جبيل الدولي الذي يجمع ألمع نجوم الموسيقى والفن على منصة تاريخية لا مثيل لها في العالم .

Leave a comment