Home كِتَابُ الرِّحْلَةِ الكاتب محمود النشيط العين الزرقاء – (Syri i Kaltër): نبعٌ لا يُعرف له قاعٌ حتى اليوم
الكاتب محمود النشيطكِتَابُ الرِّحْلَةِ

العين الزرقاء – (Syri i Kaltër): نبعٌ لا يُعرف له قاعٌ حتى اليوم

Share
Share

سافر معي هذه المرة إلى جنوب ألبانيا (Albania)، إلى بقعةٍ تختبئ بين جبال )مالي إي جيري( (Mali i Gjerë)، حيث تحدّق في السماء عينٌ زرقاء لا تطرف منذ آلاف السنين. يسمّيها الألبان )سيري إي كالتر( (Syri i Kaltër)، أي «العين الزرقاء» (Blue Eye)، وهي — بلا مبالغة — من أعجب ما قد يقع عليه بصرك: نبعٌ راهن الغطّاسون مرارًا على بلوغ قاعه، فخسروا الرهان جميعًا.
تقع قرب مدينتَي سارَندة (Sarandë) وجيروكاسترة (Gjirokastër)، وهي واحدةٌ من أكثر من مئة نبعٍ كارستيٍّ (Karst) في ألبانيا، غير أنها أشهرهنّ وأغزرهنّ على الإطلاق، ومنها يولد نهر )بيستريتسا( (Bistrica) الذي يمضي حتى البحر الأيوني (Ionian Sea). جعلتها الدولة معلمًا طبيعيًا محميًا منذ عام 1996، ولفّتها بمحميةٍ من الزان والبلوط تحتضن أكثر من ست مئة نوعٍ نباتيّ، وتتجوّل فيها القطط البرية وثعالب الماء والسمندل.
والطريق إليها وحده متعة؛ سياراتٌ ودرّاجاتٌ تتلوّى في مسالك جبلية بين أشجار الزيتون والقرى العتيقة، وكلما صعدتَ برد الهواء وكثُف الشجر واشتدّ هدير الماء، حتى تكاد تسمع العين قبل أن تراها.
وحين تقف على منصّتها الخشبية الصغيرة، ستفهم سرّ الاسم فورًا: دائرةٌ زرقاء داكنة في القلب تشبه بؤبؤ العين، يحيط بها لونٌ أفتح كأنه القزحية، وماءٌ صافٍ إلى حدٍّ يخدعك فتظنّه قريب القرار. لا تنخدع؛ حرارته لا تتجاوز نحو عشر درجات صيفًا وشتاءً، والسباحة فيه ممنوعة أصلًا، وهي حرارةٌ كفيلةٌ بأن تُذكّرك سريعًا أنك لستَ في مسبح فندق.
أما الطُّرفة التي جعلت هذه العين أسطورة، فهي أن الغطّاسين نزلوا فيها إلى نحو خمسين مترًا ثم توقّفوا، لا عجزًا عن الغوص، بل لأن النبع نفسه يدفعهم إلى أعلى بقوّة! فمن قاعه المجهول يتدفّق الماء صاعدًا بمعدلٍ يقارب ثمانية عشر ألف لترٍ في الثانية، وكأنّ الأرض تبصق زائريها الفضوليين برفق. ولهذا بقي القاع لغزًا إلى اليوم؛ لا أحد يعرف كم يمتدّ في جوف الجبل.
وللمكان أساطيره كذلك. يُحكى أن مهندسًا في محطة كهرباء هو من أطلق عليها هذا الاسم، إذ ذكّرته زُرقتها بعينَي حبيبته. وتروي حكايةٌ أقدم أن ثعبانًا عملاقًا كان يفترس الأطفال في نواحي دلفينة (Delvinë)، إلى أن أوقعه رجلٌ عجوزٌ حصيف بحيلةٍ نجا بها الجميع. ولمن جاع بعد كل هذه الدهشة، فعلى ضفّة النهر مطاعم صغيرة تقدّم سمك السلمون المرقّط الذي يُربّى في الماء البارد نفسه، طازجًا لا يعرف طعم الثلاجة.
وأنا أميل إلى تصديق المهندس؛ فبعض العيون، مثل بعض القلوب، يُحبّ المرء أن يبقى عمقها سرًّا لا يُقاس.

Share

Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Articles
الكاتب محمود النشيطكِتَابُ الرِّحْلَةِ

معايير تصنيف الفنادق… لغة عالمية لضمان جودة الضيافة

محمود النشيطمستشار الإعلام السياحي تعرف إحصائيات تصنيف الفنادق عالمياً حسب عدد النجوم...

الدكتور رمضان طنطاويكِتَابُ الرِّحْلَةِ

الإدارة وفق معيار الجدارات

بقلم: الدكتور رمضان طنطاوي كثيرًا ما نرى أشخاصًا يتولون مناصب قيادية، لكن...

دعاء العجميكِتَابُ الرِّحْلَةِ

من نافذة السفرالنجاح الحقيقي… حين يكتب الزائر رسالة شكر!!

في عالم السياحة، قد تُقاس بعض النجاحات بالأرقام؛ بعدد الزوار، أو نسب...

الدكتور حسام درويشكِتَابُ الرِّحْلَةِ

هل في السفر فعلاً سبع فوائد أم أكثر؟… وما هي؟

بقلم: د. حسام درويش لطالما ردد العرب مقولة "في السفر سبع فوائد"،...