بقلم: الدكتور رمضان طنطاوي
كثيرًا ما نرى أشخاصًا يتولون مناصب قيادية، لكن النتائج لا تكون على مستوى التوقعات. والسبب في رأيي بسيط؛ فليس كل من يصل إلى موقع إداري يمتلك بالضرورة الجدارات التي تؤهله للنجاح فيه. الإدارة ليست لقبًا، وإنما مسؤولية تتطلب رؤية، وقدرة على اتخاذ القرار، ومهارات في التعامل مع الناس وصناعة الإنجاز.
اليوم أصبحت المؤسسات الناجحة تعتمد على ما يُعرف بالإدارة وفق معيار الجدارات، أي اختيار الشخص المناسب بناءً على معارفه ومهاراته وسلوكياته، وليس فقط على سنوات الخبرة أو الأقدمية. فالجدارة تعني أن يمتلك القائد القدرة الحقيقية على التخطيط، وحل المشكلات، وإدارة فرق العمل، وتحقيق النتائج.
وتتوزع الجدارات بين قيم أساسية يجب أن يتحلى بها الجميع، وجدارات فنية مرتبطة بطبيعة الوظيفة، وأخرى قيادية ترتبط بالرؤية والتطوير وإدارة التغيير. وعندما تُبنى التعيينات والترقيات على هذه المعايير، تصبح بيئة العمل أكثر عدالة، ويصبح التدريب أكثر فاعلية، ويُقاس الأداء وفق نتائج واضحة، لا وفق الانطباعات الشخصية.
وعندما نتحدث عن الجدارة، تحضر أمامنا نماذج مصرية تركت بصمة لا تزال آثارها واضحة حتى اليوم. من أبرزها الوزير الأسبق فؤاد سلطان، الذي امتلك رؤية استثمارية سبقت عصرها، وأسهم في تحويل شرم الشيخ والغردقة وطابا إلى وجهات سياحية عالمية، كما شجع الاستثمار السياحي بسياسات عملية ساعدت على تسريع التنمية.
كما لا يمكن إغفال الدور الكبير للدكتور ممدوح البلتاجي، الذي قاد القطاع السياحي خلال مرحلة مليئة بالتحديات، مؤمنًا بأن السياحة ليست نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل محركًا للتنمية وداعمًا لعشرات القطاعات الأخرى. وتميزت إدارته بالقدرة على تجاوز الأزمات، إلى جانب حملات ترويجية عززت مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية.
إن هذه النماذج تؤكد أن النجاح لا يرتبط بالمنصب، بل بمن يشغله. فالمؤسسات التي تضع الجدارة في مقدمة معايير الاختيار هي الأكثر قدرة على الاستمرار وتحقيق الإنجاز، أما عندما يغيب هذا المعيار، فإن أول ما يتراجع هو الأداء، ثم تبدأ المؤسسة في فقدان قدرتها على المنافسة.
وفي النهاية، يبقى الاستثمار الحقيقي في الإنسان الكفء، لأن القيادات تصنع الفارق، والجدارات هي الأساس الذي تُبنى عليه النجاحات المستدامة.
Leave a comment