مكة المكرمة – السعودية في رحاب أقدس بقاع الأرض وتحت سماء مكة المكرمة المتلألئة بنور القمر تتحول ليالي رمضان 1447 إلى لوحة بشرية نابضة بالحياة حيث يطل فن الحكواتي من نافذة الزمن ليخطف الأنظار في حي حراء الثقافي ويحول السرد الشعبي إلى أيقونة سياحية دولية تجذب الزوار من مختلف بقاع العالم.
هذا الحي الذي يحتضن موقع نزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يتحرك على إيقاع صوت رجل واحد يجلس على منصة خشبية بسيطة لكنه يحمل في جعبته كنوز الأجداد وقصص الأبطال وحكايات العشاق والمجاهدين التي كانت تتناقل عبر الأجيال لتصبح هذه الأمسيات الرمضانية ملتقى فريداً للحضارات والأعمار حيث تمتزج عبادة الشهر الفضيل بانغماس ثقافي لا مثيل له.
ما يشهده زوار ليالي حراء الرمضانية هذه الأيام يتجاوز مفهوم الفعالية التراثية العابرة ليصل إلى تأصيل فلسفة ثقافية متكاملة تضع التراث الشفهي العربي في مصاف المنتجات السياحية العالمية الجاذبة فالحكواتي الذي كان يوماً ما بمثابة التلفاز القديم للمجالس الشعبية يعود اليوم بثوب جديد وأسلوب تفاعلي يشعل حماس الأطفال والكبار على حد سواء في مشهد يعيد إنتاج الذاكرة الجمعية للأمة.
الأجواء في حي حراء الثقافي خلال شهر رمضان المبارك تحمل نكهة استثنائية فالزوار الذين يفدون إلى هذا المكان المقدس لا يكتفون بأداء المناسك الدينية بل يغوصون في تجربة إنسانية شاملة تبدأ مع آذان المغرب حيث يتشاركون وجبة الإفطار في أجواء أخوية دافئة لتنتقل بعدها الرحلة إلى عالم الحكايات حيث يمتد السمر حتى ساعات متأخرة من الليل وسط إقبال جماهيري لافت يعكس تحول الحي إلى قبلة ثقافية تواكب مكانته الدينية.
ما يميز تجربة الحكواتي هذا العام هو التفاعل الحي بين الراوي وجمهوره حيث لا يكتفي الحضور بالاستماع السلبي بل يجدون أنفسهم أبطالاً في القصص نفسها خاصة الأطفال الذين تلمع عيونهم دهشة ويتحلقون حول الراوي يسألون ويعلقون ويساهمون في رسم ملامح الحكاية وهذه الديناميكية التفاعلية تذكرنا بالوظيفة الأصلية للحكواتي في المقاهي القديمة التي كانت تشكل ملتقى للمجتمع وتجسد قيمة التلاحم الإنساني الذي تفتقده وسائل الترفيه الحديثة.
هذا المشهد الثقافي المتنامي في ليالي رمضان يعكس تحولات كبرى في نمط السياحة الدينية بالمملكة العربية السعودية التي باتت تقدم نموذجاً سياحياً متطوراً يمزج بين التعمق الروحي والغنى الثقافي تحت مظلة رؤية المملكة 2030 الطموحة فبينما تهدأ الحياة في النهار مع إيقاع الصيام والتأمل تعود الحياة لتنبض في الليل بطاقة احتفالية هائلة تجذب السياح من مختلف الجنسيات والأديان ليعيشوا تجربة الصيام في بلاد الحرمين ويكتشفوا عن قرب معاني الكرم والضيافة العربية الأصيلة.
Leave a comment