نيويورك – الولايات المتحدة في الوقت الذي تستعد فيه الجريدة السياحية لنشر تقاريرها عن الوجهات المستدامة، يأتي اليوم العالمي للغابات في 21 مارس ليؤكد حقيقة باتت لافتة: الغابات لم تعد مجرد مساحات خضراء تزين الكوكب، بل تحولت إلى محرك اقتصادي حقيقي يسهم بأكثر من 44 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يزيد على نصف إجمالي الاقتصاد العالمي . ووسط هذا الزخم، يحمل احتفال هذا العام شعار “الغابات والاقتصادات” الذي أطلقته الأمم المتحدة ليرسم ملامح مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الطبيعة والاستثمار.
إذ تعيش صناعة السياحة العالمية تحولا لافتا يتمثل في ازدهار قطاع السياحة البرية الذي يتوقع أن يتضاعف حجمه ليبلغ 381 مليار دولار بحلول عام 2033، مسجلا نموا سنويا يتجاوز 9% . وهذا النمو ليس مجرد أرقام، بل يعكس وعيا متزايدا بين المسافرين الذين أصبحوا يبحثون عن تجارب أخلاقية ومستدامة في أحضان الطبيعة. ومن مولدوفا إلى فيتنام، تتحول الغابات إلى مقاصد سياحية متكاملة، حيث يستقبل مهرجان الزان في محمية “بلايول فاجول” الطبيعية نحو 3500 زائر سنويا، مدرّا إيرادات تتجاوز 25 ألف يورو تدعم المجتمعات المحلية وجهود الحفاظ على البيئة في آن واحد .
وفي هذا السياق، تبرز تجارب رائدة تثبت أن حماية الغابات تشكل استثمارا اقتصاديا بامتياز، ففي بليز مثلا يسهم قطاع السياحة بنحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل لنحو 38 ألف شخص . أما في أوغندا، فتعمل مبادرات زراعة الأشجار على معالجة مشكلة البطالة بين الشباب، حيث توفر أنشطة إدارة المشاتل والغابات التجارية فرص عمل مباشرة لآلاف الشباب الباحثين عن مصدر رزق .
لكن القيمة الاقتصادية للغابات لا تقف عند حدود السياحة فقط، فهي تشكل أيضا بنية تحتية طبيعية تنظم إمدادات المياه وتحمي التربة وتخزن الكربون، ناهيك عن كونها شبكة أمان للمجتمعات في أوقات الأزمات والصراعات المناخية . ويؤكد الخبراء أن أكثر من 1.6 مليار شخص حول العالم يعتمدون على الغابات في تأمين دخلهم اليومي واحتياجاتهم المعيشية ، مما يجعل الاستثمار في الحفاظ عليها ضرورة اقتصادية لا تقل أهمية عن أي قطاع استثماري آخر.
ومع تزايد الوعي العالمي بهذه الحقائق، تواصل المنظمات الدولية الدعوة إلى إعادة النظر في سياسات التمويل والاستثمار، بهدف تحويل الغابات من أصول بيئية هامشية في الحسابات الاقتصادية التقليدية إلى محركات حقيقية للنمو الشامل والحد من الفقر. وفي الوقت الذي تستعد فيه الأمم المتحدة لعقد جلسة نقاشية في مقرها بنيويورك في 24 مارس الجاري، يبقى السؤال الأهم: هل حان الوقت لنرى الغابات كما تستحق، كشركاء حقيقيين في بناء اقتصاد عالمي مزدهر ومستدام؟
Leave a comment