بيروت – لبنان
يدخل لبنان موسم صيف 2026 وسط تحديات غير مسبوقة تضغط على القطاع السياحي، في وقت باتت فيه عودة المغتربين اللبنانيين العامل الأكثر تأثيراً في تحريك الأسواق المحلية وتعويض جزء من التراجع الحاد في حركة السياحة الأجنبية، التي لا تزال متأثرة بالتوترات الأمنية المستمرة وتداعيات الحرب على مناطق واسعة من البلاد.
ومع حلول عطلة عيد الأضحى، سجل مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد القادمين من اللبنانيين المقيمين في الخارج، خصوصاً من دول الخليج وأوروبا وأفريقيا، حيث فضّل آلاف المغتربين العودة لقضاء العيد مع عائلاتهم رغم ارتفاع أسعار تذاكر السفر والمخاوف المرتبطة بتطورات الأوضاع الأمنية. إلا أن هذه العودة اتسمت بطابع قصير الأمد، إذ اختار كثيرون تقليص مدة الإقامة إلى بضعة أيام بدلاً من قضاء موسم الصيف كاملاً كما كان يحدث في سنوات سابقة.
ورغم أن هذه الحركة منحت المطاعم والمقاهي وبعض المنتجعات السياحية دفعة مؤقتة، فإن العاملين في القطاع يؤكدون أن الموسم لا يزال بعيداً عن مستويات الانتعاش التي عرفها لبنان قبل سنوات. كما أن الإنفاق الاستهلاكي بات أكثر حذراً، مع تركيز الزوار على الاحتياجات الأساسية والزيارات العائلية بدلاً من الأنشطة السياحية التقليدية.
وتشير المؤشرات إلى أن صيف لبنان هذا العام يعتمد بصورة شبه كاملة على ما يعرف بـ”السياحة الاغترابية”، وهي الزيارات المرتبطة بالعائلة والمناسبات الاجتماعية أكثر من ارتباطها بالسياحة الترفيهية. ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا النوع من الحركة يساعد في إدخال العملات الأجنبية إلى السوق اللبنانية ويدعم قطاعات الخدمات، لكنه لا يعوض غياب السياحة الدولية التي تشكل عادة مصدراً رئيسياً للإيرادات خلال الموسم الصيفي. كما أظهرت بيانات عام 2025 أن حركة المسافرين عبر مطار بيروت تجاوزت 7 ملايين مسافر مع ارتفاع أعداد الوافدين بنسبة تقارب 30% مقارنة بعام 2024، قبل أن يتباطأ هذا التعافي خلال الأشهر الأولى من 2026 نتيجة استمرار التوترات الأمنية.
وفي ظل تراجع السياحة الخارجية، برزت السياحة الداخلية كأحد المسارات البديلة التي تشهد نمواً نسبياً هذا الصيف، حيث ازدادت الرحلات المنظمة إلى المناطق الطبيعية البعيدة عن نطاق التصعيد العسكري. وسجلت وجهات مثل جرود الضنية وجبال القموعة في عكار وشلالات أفقا ومحمية تعنايل حركة ملحوظة، مدفوعة بانخفاض تكلفتها مقارنة بالسفر إلى الخارج ورغبة اللبنانيين في الاستمتاع بالطبيعة المحلية.
كما انعكست الأوضاع الحالية على قطاع المناسبات والأعراس الذي يعد من أهم المحركات الاقتصادية المرتبطة بالسياحة والخدمات في لبنان. فقد شهدت شركات تنظيم الحفلات والفنادق وقاعات المناسبات تراجعاً واضحاً في الحجوزات، مع اتجاه عدد متزايد من العائلات إلى تقليص ميزانيات حفلات الزفاف أو تأجيلها بسبب عدم قدرة الأقارب المقيمين في الخارج على الحضور أو بسبب حالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد العام.
وفي الوقت نفسه، تعرضت المهرجانات الصيفية لضربة قوية بعد إلغاء عدد من الفعاليات الثقافية والفنية في مناطق مختلفة من البلاد، ما حرم الأسواق المحلية من تدفقات سياحية كانت تشكل رافعة اقتصادية مهمة خلال موسم الصيف. ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار الضغوط الأمنية والإنسانية الناتجة عن موجات النزوح الداخلي واتساع نطاق التوترات في بعض المناطق اللبنانية.
ورغم هذه التحديات، لا يزال القطاع السياحي اللبناني يحاول الحفاظ على حضوره مستفيداً من ارتباط المغتربين العاطفي ببلدهم الأم، ومن السمعة التي يتمتع بها لبنان في مجالات الضيافة والمطاعم والسياحة الطبيعية والخدمات الترفيهية. كما تستفيد قطاعات عدة من هذه الحركة الموسمية، من بينها الفنادق وبيوت الضيافة والشقق المفروشة وتأجير السيارات والمطاعم والخدمات الصحية والتجميلية وسوق التجزئة.
ويرى اقتصاديون أن أي تحسن في الأوضاع الأمنية أو تقدم في جهود التهدئة خلال الأسابيع المقبلة قد يفتح المجال أمام زيادة أعداد الوافدين خلال ذروة الموسم في يوليو وأغسطس، وهو ما يمنح القطاع فرصة لالتقاط أنفاسه بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة. إلا أن التعافي الكامل يبقى مرتبطاً بعودة الاستقرار السياسي والأمني واستعادة ثقة المسافرين العرب والأجانب بالسوق اللبنانية.
Leave a comment