الرياض – السعودية
تواصل السياحة الريفية في المملكة العربية السعودية ترسيخ مكانتها كأحد أسرع القطاعات السياحية نمواً ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز مساهمة القطاع السياحي في الاقتصاد، مع رفع حصة السياحة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 10% بحلول نهاية العقد الحالي.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية المتنامية حجم الفرص التي يوفرها هذا القطاع، إذ بلغت قيمة سوق السياحة الريفية والزراعية في المملكة نحو 990 مليون دولار أمريكي خلال عام 2025، فيما تشير التوقعات إلى نموها لتصل إلى 2.24 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.43%. كما يُنتظر أن تسهم السياحة الزراعية وحدها بنحو 1.6 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي السعودي بحلول عام 2030، ما يؤكد الدور المتزايد لهذا النشاط في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز التنمية المستدامة في المناطق الريفية.
وفي موازاة النمو المتوقع للإيرادات، تتبنى المملكة خطة طموحة لتطوير البنية التحتية للضيافة الريفية، حيث يستهدف القطاع توفير 75 ألف غرفة فندقية في المناطق الريفية والزراعية بحلول عام 2030، مع تحقيق إيرادات سنوية متوقعة تصل إلى 7 مليارات ريال سعودي. وتستند هذه الخطة إلى تحويل المزارع والمواقع الزراعية إلى وجهات ضيافة متكاملة توفر تجارب سياحية أصيلة، مع الحفاظ على الهوية التراثية والبيئية للمناطق المستهدفة.
وتشهد العديد من مناطق المملكة إقبالاً متزايداً على السياحة الريفية، خصوصاً في منطقة القصيم التي سجلت نشاطاً لافتاً في هذا المجال. فقد تم استقبال أكثر من 126 طلباً للحصول على تراخيص المزارع الريفية عبر بوابة “نعماء” الإلكترونية، فيما صدرت 84 رخصة تشغيلية حتى الآن، ما يعكس تنامي اهتمام المستثمرين ورواد الأعمال بهذا النوع من السياحة. كما أصبحت المزارع والمتنزهات الريفية وجهات مفضلة للعائلات والشباب خلال العطلات والمواسم المختلفة، بفضل ما توفره من تجارب تجمع بين الطبيعة والأنشطة الزراعية والتراث المحلي.
ويعود جانب كبير من هذا النمو إلى المبادرات الحكومية الداعمة للقطاع، حيث تم إطلاق برامج متعددة لتشجيع الاستثمار في السياحة الريفية، تضمنت منح مزايا للمزارعين ومشغلي النزل الريفية، إلى جانب توفير برامج تدريب وتأهيل تهدف إلى رفع جودة الخدمات وتعزيز كفاءة التشغيل. كما شملت الاستثمارات تطوير مشاريع نوعية، من أبرزها إنشاء منتجع زراعي كبير على مساحة 450 فداناً في واحة الأحساء، إحدى أبرز الوجهات الزراعية والتراثية في المملكة.
كما لعبت الحوافز التشجيعية دوراً مهماً في تنمية القطاع، إذ أسهمت “الجائزة الريفية” في تحفيز أصحاب المزارع على تطوير مرافقهم وفتحها أمام الزوار وفق معايير تدعم الاستدامة البيئية وتعزز الاقتصاد المحلي. وترافق ذلك مع تسهيلات إجرائية واسعة قدمتها وزارة البيئة والمياه والزراعة من خلال تطوير الخدمات الرقمية وتسريع إجراءات إصدار التراخيص للمشاريع الريفية والسياحية.
ويأتي ازدهار السياحة الريفية ضمن طفرة أوسع يشهدها القطاع السياحي السعودي، حيث تجاوز عدد السياح المحليين 28.9 مليون سائح خلال الربع الأول من عام 2026 فقط، في مؤشر واضح على تنامي الطلب على الوجهات السياحية داخل المملكة. كما نجحت السعودية في تجاوز حاجز 100 مليون سائح قبل الموعد المستهدف، ما دفع الجهات المختصة إلى رفع الهدف الوطني إلى 150 مليون سائح بحلول عام 2030.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز السياحة الريفية والزراعية كأحد المحركات الرئيسية للتنويع الاقتصادي في المملكة، إذ تجمع بين الحفاظ على التراث الزراعي والبيئي، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل للسكان المحليين، فضلاً عن تقديم تجارب سياحية متنوعة تلبي تطلعات الزوار من داخل المملكة وخارجها، ما يعزز مكانة السعودية كوجهة سياحية متكاملة تجمع بين الحداثة والأصالة.
Leave a comment