في زيارتي إلى مالطا، لم تكن المفاجأة في البحر أو المعالم، بل في اللغة. من اللحظة الأولى، بدأت ألتقط كلمات مألوفة بشكل غير منطقي. كنت أسمع وأقرأ وأفهم أجزاءً دون أن أكون قد درست المالطية. هنا بدأت رحلتي الحقيقية: سياحة لغوية، وليست فقط جغرافية.
وأنا أتجول في فاليتا، بدأت ألاحظ التفاصيل. كلمة Dar تعني “دار”، وBieb تعني “باب”، وTieqa تعني “طاقة” (نافذة)، وTriq تعني “طريق”. حتى كلمة Raħal تعني “رحل” أو قرية، وQamar تعني “قمر”، وXemx تعني “شمس” (قريبة من “شمس” في النطق القديم). شعرت وكأنني أقرأ العربية لكن بلباس مختلف.
في مدينا، كان الأمر أوضح. اسمها نفسه “Mdina” من “مدينة”. كلمة Zejt تعني “زيت”، ، وHobz تعني “خبز”. في أحد المطاعم، طلبت Hobz biz-zejt—أي “خبز بالزيت”—وشعرت أن القائمة مكتوبة لي.
الأرقام أيضًا كانت مألوفة: Wieħed (واحد)، Tnejn (اثنين)، Tlieta (ثلاثة)، Erbgħa (أربعة). وحتى كلمات الحياة اليومية: Ilma (ماء)، Nar (نار)، Ras (رأس)، Id (يد). هذه ليست مصادفات، بل امتداد مباشر لفترة الحكم العربي.
الأجمل أن هذه الكلمات لم تكن مجرد ملاحظات لغوية، بل كانت مفاتيح لفهم المكان. عندما ترى لافتة مكتوب عليها Triq San… تدرك أنها “شارع”، وعندما تسمع أحدهم يقول Dar tiegħi تفهم أنه يقصد “بيتي”. هذا القرب اللغوي أعطاني إحساسًا بأنني لست غريبًا تمامًا.
مالطا بالنسبة لي تحولت من وجهة سياحية إلى تجربة اكتشاف ثقافي. اللغة هنا ليست فقط وسيلة تواصل، بل دليل حي على التاريخ. كل كلمة كانت تذكيرًا بأن الحضارات لا تختفي، بل تترك أثرها في التفاصيل اليومية.
خرجت من الرحلة بقناعة بسيطة: أحيانًا لا تحتاج أن تتعلم لغة جديدة بالكامل، يكفي أن تعرف كيف تستمع. في مالطا، الكلمات كانت أقرب مما توقعت… وكأنها تنتظر من يلاحظها فقط.
Leave a comment