Home كِتَابُ الرِّحْلَةِ الدكتور رمضان طنطاوي أفكار بنّاءة… وإدارة جادّة في التطوير
الدكتور رمضان طنطاويكِتَابُ الرِّحْلَةِ

أفكار بنّاءة… وإدارة جادّة في التطوير

Share
Share

عندما تستمع الإدارة بفاعلية، تتحول بيئة العمل إلى محرّك حقيقي للابتكار والثقة، حيث يرتفع الأداء ويتعزز الانتماء. فالاستماع الواعي – وليس مجرد التظاهر به – يُحطّم الحواجز النفسية، ويعزز مشاركة الموظفين، ويحوّل القادة إلى موجّهين (Servant Leaders) يخدمون فرقهم، ما يُطلق طاقاتهم الإبداعية ويقود إلى تحقيق نتائج استثنائية.أذكر أنه منذ عقد من الزمان، تلقيت دعوة من السفارة الإنجليزية في القاهرة لحضور حفل «الشباب الملهم».

وعند حضوري، استمعت وشاهدت تجارب وأفكارًا عملية مبتكرة لشباب ملهم، بحضور السفير جون كاسن. وكان من أكثر الأفكار التي لفتت انتباهي مشروع أحد رواد الأعمال، الذي يقوم باستخدام مخلفات وبقايا زيوت الطعام، بعد معالجتها بشكل بسيط، لتحويلها إلى وقود حيوي «بيوديزل» يُستخدم في تشغيل المحركات وإنارة القرى الفقيرة.وفي ذلك الوقت، كنت أعمل في إحدى الشركات الكبرى في مجال الأغذية والمشروبات وإعداد الوجبات بكميات كبيرة، وهو ما ينتج عنه بقايا زيوت بكميات ضخمة. وعندما تساءلت عن مصير هذه البقايا، أجابني أحد العاملين بأنه يتم التخلص منها دون الاستفادة منها.حينها توجهت إلى مستشار الشركة لعرض فكرة المشروع كحل صديق للبيئة، يحقق حسن إدارة المخلفات ويولّد عائدًا اقتصاديًا. وقد لاقت الفكرة ترحيبًا، وتم عقد اجتماع أسفر عن بدء تجميع كميات الزيوت المستعملة بشكل دوري، وبيعها مقابل 6 جنيهات للكيلوغرام آنذاك، وهو السعر الذي تجاوز حاليًا 45 جنيهًا، بمعدل يتراوح بين 1.5 إلى 2 طن شهريًا.

وما يسعدني في هذه التجربة أننا نجحنا في خلق مورد مالي من العدم، من خلال التفكير خارج الصندوق، وتطبيق نموذج لإدارة رشيدة تستمع وتقدّر وتُحسن التوظيف.

إن زيت الطهي المستعمل يُعد «ثروة مهدرة» يمكن تحويلها عبر عملية الأسترة التبادلية باستخدام الميثانول وعامل حفاز إلى ديزل حيوي صديق للبيئة، يمكن استخدامه مباشرة كوقود للتدفئة والإضاءة. وتُسهم هذه العملية في تقليل التلوث الناتج عن التخلص غير الآمن من الزيوت، حيث يتم ترشيحها وتنقيتها لإزالة الشوائب، ما يضمن إنتاج وقود عالي الجودة صالح للاستخدام في المحركات والآلات.

كما يمكن استخدام هذا الوقود في الأفران والغلايات والمواقد، أو كمصدر للإضاءة عبر الفوانيس. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يمكن إعادة تدوير الزيت لإنتاج مواد تنظيف، حيث يمكن أن ينتج لتر واحد من الزيت نحو 7 لترات من الصابون، إضافة إلى استخدامه كمادة تشحيم للأجزاء الميكانيكية.وتكمن الفوائد البيئية والاقتصادية لهذه العملية في تقليل تلوث المياه ومنع انسداد شبكات الصرف الصحي، حيث إن لترًا واحدًا من الزيت يمكن أن يلوث نحو مليون لتر من المياه. كما أن هذا الوقود يتميز بانخفاض انبعاثاته الكربونية مقارنة بالوقود الأحفوري التقليدي، ما يجعله خيارًا أكثر استدامة، فضلًا عن قيمته الاقتصادية الناتجة عن تحويل مادة ضارة إلى منتج ذي قيمة تجارية.

وقد أسعدني ما قرأته عن وجود مبادرات مصرية ناجحة، مثل مبادرة «جرين بان»، التي تهدف إلى تجميع الزيوت المستعملة من المنازل مقابل بدائل صحية، بما يسهم في حماية الصحة العامة من مخاطر إعادة استخدام الزيوت الضارة. كما تم إنشاء مصانع لإنتاج الديزل الحيوي بطاقة إنتاجية كبيرة، تصل في بعض المشروعات إلى 100 طن يوميًا. ويُقدّر حجم الزيوت المستعملة في مصر بنحو 2.6 مليون طن سنويًا، وفقًا لبيانات بوابة محافظة القاهرة.وتسهم هذه الجهود في تقليل الانبعاثات، حيث إن استخدام الديزل الحيوي المستخرج من الزيوت المستعملة يقلل البصمة الكربونية بشكل ملحوظ.

وفي سياق متصل، اتجهت السياحة المصرية إلى استحداث «شهادة النجمة الخضراء» للفنادق والمنتجعات التي تحقق كفاءة في استهلاك الموارد وتحسن إدارة المخلفات، مع الالتزام بأساليب التخلص الآمن والصحي منها، بما يتوافق مع المعايير البيئية. ويتم إجراء مراجعات دورية – معلنة وغير معلنة – لإعادة تقييم هذه المنشآت، سواء بترقية تصنيفها أو خفضه في حال التقصير.

Share
Written by
د. رمضان طنطاوي

الأمين العام المساعد للاتحاد الأفروآسيوي للسياحة

Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Articles
دعاء العجميكِتَابُ الرِّحْلَةِ

من نافذة السفر. حقائب الصيف… عندما تبدأ الرحلة قبل السفر

مع اقتراب نهاية العام الدراسي، يبدأ موسم مختلف في كثير من البيوت...

الكاتب علي يوسف السعدكِتَابُ الرِّحْلَةِ

أسرار المدن التي لا تظهر في الأدلة السياحية

عندما نزور مدينة جديدة، غالباً ما نحمل معنا قائمة طويلة من الأماكن...

الدكتور رمضان طنطاويكِتَابُ الرِّحْلَةِ

استثمار المشاهير في الترويج السياحي… تجربة مصرية تستحق التوقف

خلال الفترة الأخيرة، تابعت عن قرب حالة الزخم الكبيرة التي تعيشها مصر...