بقلم: الدكتور صالح المخدوم
في كثير من الدول العربية لم تعد السياحة الجماعية تجربة اكتشاف بقدر ما أصبحت مسارًا مُسبق الإعداد
يُقاد فيه الزائر كما يُقاد القطيع.
برنامج ثابت ومحطات محددة وزمن محسوب بالدقيقة لا مجال فيه للفضول ولا مساحة لاكتشاف ثقافة البلد الحقيقية وفقدان روح السفر الحقيقية.
تعتمد شركات سياحية عديدة على نموذج “القيادة الجماعية” للمجموعات:
حافلة تنطلق، مرشد يقود ومتاجر بعينها تزار
لا يُسمح للسائح بالتنقل بحرية،
ولا يُمنح وقتًا كافيًا للتفاعل مع المدينة وسكانها، ولا يُشجَّع على الخروج عن الخط المرسوم.
الهدف الظاهر هو التنظيم، لكن الهدف الخفي غالبًا هو التحكم الكامل في التجربة والعائد.
المشكلة لا تقف عند حدود التقييد
بل تمتد إلى تضارب المصالح. في حالات كثيرة، يتقاضى المرشدون عمولات من محلات أو مطاعم محددة مقابل جلب المجموعات إليها. تتحول الزيارة من تجربة ثقافية إلى جولة تسوق موجهة، ومن تعريف بالمدينة إلى ترويج لمنافذ بعينها. النتيجة: مستفيد واحد هو الشركة ومن يدور في فلكها، بينما تخسر المدينة فرصتها في أن تُعرَف كما هي، ويخسر السائح حقه في تجربة صادقة.
هذا النموذج يُضعف الاقتصاد المحلي بدل أن يعززه. حين تُحصر الزيارات في نقاط محددة، تُقصى المقاهي الصغيرة، والحِرفيون، والأسواق الشعبية، والمبادرات الثقافية المستقلة. تختنق المدن بوجه واحد مكرر، وتذبل تنوعاتها التي هي أصل الجذب السياحي.
كما أن “سياحة القطيع” تُنتج انطباعات سطحية. السائح يغادر وهو يظن أنه “زار” المدينة، لكنه في الحقيقة مرّ عبر واجهة مصممة بعناية، لا تعكس نبض الشوارع ولا قصص الناس. ومع تكرار هذا النمط، تتشابه التجارب بين المدن المختلفة، فتفقد كل مدينة خصوصيتها لصالح قالب واحد قابل للاستنساخ.
الحل ليس في إلغاء السياحة الجماعية، بل في إعادة تصميمها. المطلوب هو الانتقال من القيادة إلى الإرشاد، ومن التحكم إلى التمكين. برامج مرنة تتيح وقتًا حرًا، خيارات متعددة للزيارات، شفافية في علاقة المرشدين بالمحلات وتشجيع الشراكات مع المجتمع المحلي. سياحة تُقاس فائدتها بانتشار العائد داخل المدينة، لا بتركيزه في جيوب محدودة.
السفر في جوهره حرية واكتشاف. وحين تُسلب هذه الروح، تتحول الرحلة إلى استهلاك مُقنن. آن الأوان لأن نغادر “سياحة القطيع”، ونعود إلى سياحة الإنسان؛ حيث المدينة تُروى بأصواتها المتعددة، والسائح شريك في التجربة لا تابعًا في المسار.
Leave a comment