أبها – السعودية
ترسم منطقة عسير في عام 2026 ملامح حقبة جديدة في قطاعها الزراعي، مستفيدة من تنوعها الجغرافي الفريد الذي يمتد من قمم جبال السروات الشاهقة إلى الأودية الخصبة والسهول التهامية المنبسطة، مما جعلها ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني ومحركاً استراتيجياً للسياحة الريفية، حيث تشكل المدرجات الزراعية أو ما يعرف بـ “المصاطب الحجرية” نموذجاً هندسياً مذهلاً للتكيف مع الطبيعة، إذ تعمل على حفظ التربة واستثمار مياه الأمطار بكفاءة عالية، مما حول المنحدرات الوعرة إلى مساحات إنتاجية خضراء تعكس خبرة الإنسان العسيري المتوارثة عبر الأجيال.

وتتوزع البيئات الإنتاجية في المنطقة بين مرتفعات بلقرن والنماص وتنومة وسراة عبيدة، التي تتميز بمناخ بارد وأمطار غزيرة تلائم زراعة الفواكه المعتدلة والمحاصيل النوعية، وبين المناطق السهلية في محايل عسير والمجاردة وبارق التي تجود بمحاصيل الذرة والقمح والبن والمانجو، وقد شهدت زراعة البن العربي عودة لافتة في محافظات مثل رجال ألمع والفرشة بفضل الدعم الحكومي السخي، مما عزز من قيمته كمنتج اقتصادي وثقافي واعد، بالتوازي مع التوسع في زراعة الفراولة والعنب التي باتت علامات فارقة في جودة الإنتاج المحلي الصيفي.

وفي ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، انتقلت الزراعة في عسير نحو آفاق تقنية متطورة عبر تبني أنظمة الري الحديثة والزراعة العضوية والبيوت المحمية، مما ساهم في رفع كفاءة استخدام المياه ومواجهة تحديات التغير المناخي، كما برزت السياحة الزراعية كرافد اقتصادي جديد حول المزارع التقليدية إلى وجهات سياحية عالمية تتيح للزوار خوض تجارب ريفية أصيلة وتذوق المنتجات الطازجة في قلب الطبيعة، لتمضي المنطقة بخطى ثابتة نحو تحقيق التوازن المثالي بين الحفاظ على أنماط الزراعة التقليدية العريقة مثل “العنثري والسيلي والمسقي” وبين تبني أحدث الابتكارات العالمية، لتظل عسير نموذجاً حياً للاستدامة ومصدراً متجدداً للعطاء الوطني.
Leave a comment