عبدالرحيم العرجان _ الرحلة
عندما تشرق الشمس في فجر يوم الانقلاب الصيفي فوق سهول ويلتشير في جنوب إنجلترا، يتوقف الزمن للحظات أمام أحد أكثر المواقع الأثرية غموضًا في العالم: ستونهنج. ففي هذا اليوم يتجمع آلاف الأشخاص من مختلف الجنسيات والثقافات لمشاهدة الشمس وهي تشرق بمحاذاة الأحجار العملاقة التي شُيدت قبل أكثر من خمسة آلاف عام، في حدث يجمع بين التاريخ وعلم الفلك والروحانية والتراث الإنساني.

فالانقلاب الصيفي هو حدث فلكي يحدث مرة واحدة كل عام عندما يصل ميل محور الأرض إلى أقصى درجة باتجاه الشمس. ونتيجة لذلك يكون النهار الأطول والليل الأقصر في نصف الكرة الشمالي. ويقع الانقلاب الصيفي عادة في 20 أو 21 يونيو.
منذ آلاف السنين اعتبرت الشعوب الزراعية هذا الحدث علامة مهمة في دورة الحياة، إذ كان مرتبطًا بمواسم الزراعة والحصاد، ولذلك أحاطته الأساطير والاحتفالات والطقوس الدينية في مختلف الحضارات القديمة.
ستونهنج: أعجوبة ما قبل التاريخ
يقع ستونهنج في سهل سالزبري جنوب إنجلترا، ويُعد من أشهر المواقع الأثرية في العالم. بدأت أولى مراحل بنائه حوالي عام 3000 قبل الميلاد، واستمر تطويره على مراحل متعددة حتى نحو 1600 قبل الميلاد.
يتكون الموقع من أحجار ضخمة يصل وزن بعضها إلى أكثر من 25 طنًا. والأكثر إثارة للدهشة أن بعض هذه الأحجار نُقلت من مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن الموقع، في زمن لم تكن فيه عجلات أو آلات نقل متطورة.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو الموقع ضمن قائمة التراث العالمي باعتباره أحد أهم الشواهد الباقية على حضارات العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي، في حين يزال هذا السؤال من أكبر ألغاز علم الآثار. فالباحثون يعلمون أن البناء تم قبل آلاف السنين باستخدام أدوات حجرية وعظمية بدائية نسبيًا، لكن كيفية نقل الأحجار العملاقة ورفعها وترتيبها بدقة هندسية ما زالت محل دراسة.
تشير النظريات إلى أن آلاف الأشخاص شاركوا في البناء على مدى قرون، مستخدمين الزلاجات الخشبية والحبال والمنحدرات الترابية. ويعتقد بعض العلماء أن المشروع كان يتطلب تنظيمًا اجتماعيًا متقدمًا يعكس وجود قيادة ومعتقدات مشتركة بين المجتمعات التي شيدته.
العلاقة بين ستونهنج والشمس
أحد أكثر جوانب ستونهنج إثارة للاهتمام هو ارتباطه الواضح بالحركات الفلكية للشمس.
فعند شروق الشمس يوم الانقلاب الصيفي، تظهر الشمس فوق ما يُعرف بـ”حجر الكعب” وتقع أشعتها في خط مستقيم تقريبًا مع المحور الرئيسي للنصب. أما في الانقلاب الشتوي فتحدث الظاهرة بالعكس تقريبًا عند غروب الشمس.
هذا التوافق الدقيق دفع العديد من الباحثين إلى الاعتقاد بأن الموقع كان يستخدم كمرصد فلكي أو تقويم موسمي يساعد المجتمعات القديمة على تحديد أوقات الزراعة والاحتفالات الدينية.
يجذب الحدث السنوي عشرات الآلاف من الزوار لمشاهدة ظاهرة فلكية نادرة مرتبطة بموقع أثري عمره آلاف السنين، والاحتفال بأطول أيام السنة، الاهتمامهم بالتاريخ والحضارات القديمة، والمشاركة في طقوس واحتفالات ثقافية وروحية، بحدث يحظى بتغطية إعلامية عالمية، وخلافًا لمعظم أيام السنة، يُسمح للزوار خلال احتفالات الانقلاب الصيفي بالاقتراب من الأحجار نفسها، ما يمنحهم تجربة استثنائية لا تتوفر عادة.
الاحتفالات الروحية
يرتبط ستونهنج اليوم بجماعات تُعرف باسم “الدرويد المعاصرين”، وهم أفراد يستلهمون بعض أفكارهم من التقاليد القديمة. ويرون في الانقلاب الصيفي مناسبة للاحتفال بالطبيعة ودورات الحياة.
ومع ذلك، فإن الدرويد الحاليين ليسوا الامتداد المباشر للدرويد القدماء الذين عاشوا في أوروبا قبل ألفي عام، بل حركة ثقافية وروحية حديثة نسبيًا.
ولا يوجد اتفاق نهائي بين العلماء بشأن وظيفة الموقع. ومن أبرز النظريات: انهمركز ديني للطقوس والاحتفالات. او مرصد فلكي لمراقبة الشمس والقمر، وقد يكون مكان لدفن الموتى وإحياء ذكراهم.
مركز اجتماعي يجمع القبائل في المناسبات الكبرى
وخلال التنقيبات عُثر في محيط الموقع على بقايا بشرية ومدافن قديمة تدعم فكرة استخدامه كمركز جنائزي مهم.
ستونهنج والدولمنز: هل توجد علاقة؟
ينتمي ستونهنج والدولمنز المنتشرة في الأردن وبلاد الشام وأوروبا إلى ما يعرف بالعمارة الميغاليثية، أي المنشآت المبنية من أحجار ضخمة.
وتشترك هذه الآثار في كونها تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وتعكس قدرات هندسية وتنظيمية متقدمة. إلا أنه لا يوجد دليل علمي يثبت وجود علاقة مباشرة بين بناة ستونهنج وبناة الدولمنز في الشرق الأوسط.
بالرغم من مئات السنين من البحث العلمي واستخدام أحدث التقنيات الأثرية، ما زالت أسئلة كثيرة بلا إجابة: لماذا بُني ستونهنج؟ وكيف استطاع الناس في ذلك العصر نقل هذه الأحجار العملاقة؟ وما المعنى الحقيقي للطقوس التي كانت تُقام فيه؟
ربما يكون هذا الغموض هو السبب الرئيسي وراء استمرار سحر الموقع حتى يومنا هذا. فكل شروق للشمس فوق أحجاره القديمة يذكرنا بأن الإنسان القديم كان يمتلك معرفة وقدرات تفوق ما كنا نتصوره، وأن بعض أسرار الماضي لا تزال تنتظر من يكشفها.
إن تجمع الآلاف كل عام لمشاهدة شروق الشمس في ستونهنج ليس مجرد احتفال موسمي، بل هو لقاء بين الإنسان المعاصر وأحد أعظم ألغاز الحضارة البشرية، حيث يلتقي التاريخ والفلك والإيمان والطبيعة في لحظة واحدة تتكرر منذ آلاف السنين.


Leave a comment