أوتاوا – كندا
تشهد صناعة السياحة الدولية في أمريكا الشمالية تحولاً لافتاً، مع تسجيل تراجع حاد في أعداد السياح القادمين من كندا إلى الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 42% خلال الفترة الممتدة بين أبريل 2024 ومارس 2026، وفق بيانات تحليلية حديثة تعتمد على تقنيات تتبع الحركة الرقمية، وهو ما يعكس إعادة رسم خريطة السياحة الدولية في أمريكا الشمالية وتأثير التوترات السياسية والتجارية على حركة السفر بين كندا والولايات المتحدة.
ووفقاً لتقارير أكاديمية صادرة عن جامعة تورونتو، فإن هذا التراجع لا يقتصر على السياحة الترفيهية فحسب، بل يمتد ليشمل السياحة التجارية ورحلات الأعمال إلى مراكز اقتصادية كبرى مثل سان فرانسيسكو وهيوستن، حيث تشير المعطيات إلى انخفاض ملحوظ في التنقلات العابرة للحدود نتيجة تغير سلوك السفر وارتفاع التكاليف وتراجع الثقة بين الأسواق.
كما توضح البيانات أن الوجهات الأمريكية التقليدية مثل فلوريدا وأريزونا ونيفادا شهدت انخفاضاً واضحاً في أعداد الزوار الكنديين، خصوصاً فئة المتقاعدين الموسميين المعروفين باسم “snowbirds”، الذين كانوا يشكلون أحد أهم روافد السياحة الشتوية في الولايات المتحدة، حيث سجلت أريزونا وحدها تراجعاً يتجاوز 20% في أعداد الزوار القادمين من كندا خلال عام 2025.
ويرتبط هذا التحول بعدة عوامل متداخلة، من بينها تصاعد التوترات السياسية والتجارية بين البلدين، إضافة إلى تأثيرات أسعار الصرف وتغير سياسات السفر والحدود، ما أدى إلى خلق حالة من إعادة توجيه الإنفاق السياحي نحو وجهات بديلة في المكسيك ومنطقة الكاريبي التي استفادت بشكل مباشر من هذا التحول في اتجاهات السياحة العالمية.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير قطاع الطيران إلى أن شركات الطيران الكندية قلصت قدرتها التشغيلية على الخطوط الأمريكية بنحو 10%، مع إعادة توزيع السعة نحو أسواق أكثر نمواً، وهو ما انعكس على انخفاض عدد الرحلات الجوية بين البلدين وتراجع الطلب على الخطوط الجوية العابرة للحدود.
كما تكشف البيانات أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن هذا التراجع تمتد إلى قطاعات متعددة تشمل الفنادق والمطاعم والتجزئة والنقل، حيث تُقدَّر مساهمة السياح الكنديين في بعض الولايات الأمريكية بمليارات الدولارات سنوياً، وهو ما يجعل هذا الانكماش عاملاً مؤثراً في أداء الاقتصاد السياحي الأمريكي.
ومن جهة أخرى، تشير التوقعات إلى أن عودة الحركة السياحية إلى مستوياتها الطبيعية قد تتطلب عدة سنوات، مع ترجيحات بعدم التعافي الكامل قبل نهاية العقد الحالي، ما لم يحدث تحسن في العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، وهو ما يضع قطاع السياحة الدولية في أمريكا الشمالية أمام تحديات طويلة الأمد تتعلق بإعادة بناء الثقة وتحفيز الطلب.
وفي ظل هذه التطورات، يتجه المسافرون الكنديون بشكل متزايد نحو تنويع وجهاتهم السياحية، الأمر الذي يعزز من نمو أسواق سياحية منافسة حول العالم، ويعيد تشكيل موازين الطلب في قطاع السفر العالمي بشكل عام.
Leave a comment