كتب الموثق والرحال عبد الرحيم العرجان : مدينةٌ تسكنك قبل أن تسكنها، بشاطئٍ يترقرق بلا صخب، تمتد زرقتها الفيروزية من رملٍ أبيض يدغدغ قدميك إلى ما لا نهاية من الأفق الغائب مع سحاب السماء.
وصلنا بلدة القصير بعد مسيرٍ طويلٍ معانقٍ لبحر القلزم الأحمر، فما أجمل أن تدخل مدينةً في الليل وتكتشف أسرارها مع أول ضياء الفجر، في مسيرٍ يخفق فيه الموج مع كل خطوة توصلك إلى البلدة القديمة الحالمة. وفي داخلك شعورٌ كبير بطمأنينة المكان، الذي خلا إلا من بعض المصطفين أمام فرن خبز “الجابوري”، ونفحةٍ تفتح الشهية لإفطارٍ يجردك من تعقيدات المدنية، بمطعم فولٍ بجانبه ورغيفٍ ساخن من ذات الفرن العتيق، مع تردّد سؤالٍ تعلوه ابتسامة: “أنت من فين؟”، ومع الإجابة تسمع أن الشاي ترحيبٌ لضيف البلد.

جولة المدينة
فما إن أنهينا إفطارنا حتى دبّت الحركة في شوارع المدينة. فخلف شارع الكورنيش الرئيسي هناك البلدة القديمة التي ما زالت بيوتها عامرةً بأجيالٍ توارثوها، حافظوا عليها كما كانت في بنائها الأول، ومعظمها يزيد عمره عن سبعين عامًا. وفيها من نقوش المداخل وزخارف الشبابيك والمشربيات ما يشير إلى مدى رقيّ أصحابها وتعدد ثقافاتهم ومنابتهم، الذين عمل معظمهم مع الإيطاليين في مناجم وميناء تصدير الفوسفات، الذي توقف العمل به أواخر التسعينيات.
فالبيوت بُنيت من حجارة البحر، تتقارب بممراتٍ رملية، وتتشابك بعلياتٍ ربطت بين طرفيها فوق الحواري، محمولةً فوق جذوع نخل وعقود. وما زالت مداخلها تحمل اليافطات القديمة لمسمياتها، الحاملة لذاكرة الزمان برمز البريد، وجدرانٌ حملت رسوماتٍ تعبيرية تعبّر عمّا في دواخل أهلها من انتماءٍ للوطن، أو نصرةٍ لشعب فلسطين، أو حكمٍ وأشعار زهد وكرم وشيم أصيلة، مجاورةً لصالحين، أشهرهم المقام التذكاري للعارف بالله سيدي عبدالقادر الجيلاني، المجاور لمقام القطب أبي الحسن الشاذلي المدفون في حميثرة، وليس بالبعيد عنهما مقام الشيخ أحمد حسان، وضريح عبدالله الهندي، والزيلعي بن أحمد وهو من الصومال.
وقد وثّق ذلك في خريطة الطبيب الألماني كارل كلوسنجر، الذي كان يعمل بالحجر الصحي في عهد حكم الخديوي إسماعيل عام 1875م، وهذا يؤكد مدى أهمية المدينة واستقطابها للعلماء من مختلف أرجاء العالم الإسلامي وتقوى أهلها

قلعة القصير “الطابية”
ساقتنا أقدامنا إلى قلعةٍ ما زالت على حالها كما شُيّدت في عهد السلطان العثماني سليم الثاني عام 1574م، بأمرٍ من الوالي سنان باشا، لتكون حاميةً للميناء المجاور وتأمين طريق الحج والتجارة الرابطة بين الجزيرة العربية ودول آسيا وأفريقيا. لتشهد، لأهميتها وموقعها الاستراتيجي، كثيرًا من الأحداث العسكرية، منها الغزو البحري لنابليون بونابرت الذي خاب فيها عام 1799م، ليستولي عليها في ذات العام بحملةٍ برية بقيادة “بلبارد”، دام تواجدهم فيها عامين.
ثم عسكر بها مباشرة الجيش الإنجليزي الهندي بعد دكّ جدارها وفتح ثغرة فيه بالمدفعية، وهدم بابها الرئيسي بقيادة الأميرال نلسون، الذي دمر أسطولهم في أبي قير. ليُعاد ترميم الجدار والاستزادة عليه في عهد محمد سعيد باشا عام 1859م. وتضم القلعة أربعة أبراج رئيسية، وعددًا من المستودعات والغرف، وخزان ماء وبئرًا عميقًا، وجدارًا منيعًا زُوّد بثلاثة مدافع فرنسية، بالإضافة إلى ستة مدافع معروضة مع قذائفها الكروية في ساحة القلعة الرئيسية.
وبقيت تُستخدم من قبل خفر السواحل المصري حتى عام 1975م، حيث أُدرجت ضمن سجل الآثار الإسلامية والقبطية، والتي منها استمدت المدينة اسمها منذ العهد الأيوبي.
ولعبت القصير دورًا مهمًا في طريق الحجيج وتأمين القادمين من أواسط وغرب أفريقيا، حيث كانت محطةً رئيسية يتم فيها فحصهم وحجر بعضهم من داء الكوليرا لفترة قد تصل إلى شهرين. وقد أقام بها ابن خلدون خمس ليالٍ قبل أن يركب البحر إلى ينبع في السعودية، وذكرها الجواهري.
فيما كان منتصف شعبان موعد وصول كسوة الكعبة المشرفة، محمولةً في هوادج الإبل في احتفالٍ مهيب، لمكانتها ومهابة هذا الدور العظيم. وما زال أهلها يحيون هذا الموروث في ذات التاريخ، بمسيرة محامل تنطلق من أمام أضرحة ومقامات المشايخ، سنّ تقليده الحديث الشيخ صديق أبو ريالات.
ميناء الفوسفات وفيلم “الجريمة”
في عام 1912م وصل الإيطاليون إلى المدينة لإنشاء صناعة واستخراج الفوسفات، الذي يُعد من أجود الأنواع في العالم. فأسسوا الشركة المصرية الإيطالية لإنتاج الفوسفات، ليتم تصدير أول شحنة عبر مينائها إلى الهند والأسواق العالمية. فيما أُمّمت الشركة بعد الثورة لتصبح شركة النصر لتعدين الفوسفات، ثم أُسست شركة فوسفات البحر الأحمر، كما وجدنا في أوراق وسجلاتها المتناثرة التي هُجرت قبل 28 عامًا.

وبها صور فيلم “الجريمة” بطولة أحمد عز ومنى شلبي، ومن إخراج شريف عرفة، ليكتسح إيرادات شباك العرض لموسم 2022م، لتميز أحداثه التي دارت في مدينة ساحلية تعج بالأسرار. وقد وظّف المخرج أروقتها بما فيها من عزلة وتأثيرات، صنعت جوًا يثير شوق المشاهد ويطغى عليه، كأنه طابعٌ حقيقي للسيناريو. ولم تخلُ زيارتنا، التي كانت مع المغيب، من أجواء الفيلم، خصوصًا مع دخولنا سردابًا مظلمًا أو بخبخة حمامٍ يفاجئك في أطراف المكان.

ويضم الميناء مبنى الإدارة، وفي مدخله متحفٌ لمستحثات ومخلوقات بحرية وبرية وطيور، وأدوات قياس وفحص استُخدمت في الدراسات الجيولوجية، بالإضافة إلى العديد من هناجر التخزين وعنابر التجميع، ومستوصف ومدرسة وكنيسة ما زالت عاملة، ومبنى راقٍ في العمارة يُعرف باستراحة الملك فاروق على شاطئ البحر، وهو في الأصل مبنى تابع للشركة شُيّد لاستقبال كبار الزوار.
القصير والتاريخ
منها بدأت الملكة حتشبسوت رحلتها الاستكشافية إلى بلاد بونت في خمسة مراكب، حسب ما هو مدون في معبدها بالأقصر، حيث عُرفت القصير باسم “تاعو”. ثم ورثها البطالمة وسمّوها “ليكوس ليمن” أي الميناء الأبيض، ومن ثم جاء الرومان وسمّوها “ميوس هورموس” أي ثغر القواقع.
وقد عرف الميناء ازدهارًا كبيرًا في التجارة، فكان يجلب البخور واللبان من اليمن والهند، والحرير من الصين، والتوابل من سقطرى وزنجبار، ويُصدر منها خشب الأبنوس والعاج الأفريقي.
وللأنباط، حين سادت تجارتهم بين القرن الرابع قبل الميلاد والثاني الميلادي، أثرٌ في تنمية وازدهار الطرق البرية والبحرية، وتجارة البضائع بين المشرق وجنوب الجزيرة العربية وأفريقيا، وسبل نقلها إلى مينائهم أيلة (العقبة)، ومنها إلى الحميمة للتوزع إلى مبتغاها من الممالك.
وقد عُثر في مصر على 84 نقشًا نبطيًا، يقع معظمها على الطرق القديمة في أودية بين البحر الأحمر ووادي النيل، مرورًا بوادي الحمامات وأبو كوع الواصلة إلى القصير، بالإضافة إلى المخربشات التي تؤكد وجود نشاطهم هناك. وقد بيّنت النقوش مهنًا كقائد الإبل، وصانع الملاط، والكاهن، ونقشًا لإله الكتابة والتجارة “ذو الشرى”. فيما وُجد في منطقة البالوع قرب الكرك ما يجسد العلاقات الأدومية المصرية، وفي الصين دُوّن أن العرب كانوا يأتونهم بالسلع من مصر ويتاجرون معهم في تلك الحقبة دون تحديد من هم.
وهاكذا تغادر القصير وأنت تدرك أن ما رأيته ليس سوى صفحةٍ من كتابٍ طويل، وأن وراء كل بابٍ حكاية، وفي كل حجرٍ أثر، وعلى كل موجةٍ سرّ لم يُبح بعد. هناك، حيث يلتقي البحر بالتاريخ، تظل القصير واقفةً… لا كمدينةٍ من الماضي، بل كذاكرةٍ حيّة، تكتب نفسها مع كل زائر، وتحتفظ به، ولو لوقتٍ طويل، بين سطورها.
Leave a comment