واشنطن – الولايات المتحدة
لم تعد الوجبات في الفضاء مجرد وقود للجسم، بل تحولت إلى جسر يربط بين التكنولوجيا المتقدمة والتراث الثقافي المتنوع، ويتجلى ذلك بوضوح في الاختيارات الغذائية لبعثة “أرتميس 2” التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، حيث أعلنت الوكالة عن إدراج طبق “الكسكس”، ذلك الطبق المغربي الأصيل، ضمن قائمة الوجبات الرسمية المخصصة لأربعة رواد فضاء خلال رحلتهم التاريخية حول القمر .

ويعكس هذا القرار، الذي يأتي ضمن قائمة تضم 189 صنفاً غذائياً متنوعاً، توجهاً حديثاً في تصميم أنظمة الغذاء الفضائي التي لم تعد تركز فقط على الكفاءة الغذائية، بل تولي اهتماماً متزايداً بالعامل النفسي والدعم المعنوي للطاقم، إذ تساعد الأطباق المألوفة في التخفيف من حدة التوتر والحنين إلى الوطن التي قد تنشأ خلال المهمات الطويلة في بيئة معزولة ومكتظة .
لم يكن اختيار “الكسكس مع المكسرات” ليحظى بهذا الموقع لولا خصائصه الفريدة التي تتوافق مع متطلبات الفضاء القاسية، فقد خضع الطبق لتعديلات دقيقة باستخدام تقنيات متطورة مثل “التجميد بالتجفيف” (lyophilisation) وإعادة الترطيب، مما يضمن بقاءه صالحاً للأكل لمدة تصل إلى سنتين دون تبريد، مع الحفاظ على قيمته الغذائية العالية وسهولة تحضيره عبر إضافة الماء الساخن فقط .
علاوة على ذلك، تتميز حبيبات الكسكس الصغيرة بكونها لا تنتج فتاتاً طائشاً قد يعطل حساسية أجهزة المركبة الفضائية “أوريون”، وهي ميزة حاسمة في بيئة الجاذبية الصغرى، كما أن محتواه العالي من الكربوهيدرات يوفر طاقة سريعة ومستدامة للرواد الذين يحتاجون إلى أداء بدني وعقلي عالٍ خلال المهمة التي تستمر حوالي عشرة أيام .
هذا المزج بين الأصالة والتكنولوجيا يفتح الباب أمام إمكانيات واسعة لمستقبل السياحة الفضائية، حيث ستلعب التجربة الحسية والذوقية دوراً محورياً في جعل الرحلات الطويلة أكثر متعة وإنسانية، مما يجعل الكسكس المغربي نموذجاً يحتذى به في كيفية سفر النكهات التراثية إلى أبعد نقطة في الكون، لتصبح جزءاً من قصة استكشاف البشرية للفضاء.
Leave a comment