الرياض ، السعودية في قلب العُلا، حيث تتجاور الجبال مع التاريخ، تتحوّل “تجربة مساء جبل عِكمة” إلى واحدة من أكثر الرحلات الثقافية إلهامًا لزوّار المنطقة. فعند حلول المساء، تُضاء الممرات الصخرية بمشاعل دافئة تعكس على الوجوه وهجًا يشبه ذاك الذي عاشه القدماء يوم كانوا ينحتون حكاياتهم على صخور الجبل قبل آلاف السنين. هذه الجولة الليلية لا تقدّم مجرد مشهد بصري آسر، بل تفتح أمام الزائر نافذة واسعة على الإرث العربي القديم؛ إذ يقف المتجوّل بين النقوش محفورًا أمام ذاكرةٍ حية خلّد فيها سكان العُلا معتقداتهم وطقوسهم وتفاصيل حياتهم اليومية. وتُعد هذه
النقوش، التي تتوزّع بلغات متعدّدة وإشارات ورموز دقيقة، بمثابة “مكتبة صخرية” تُعيد تشكيل فهم الزائر لعصور الدادانيين واللحيانيين والأنباط. ويوصف جبل عِكمة بأنه أكبر متحف مفتوح للنقوش في الجزيرة العربية، إذ يحتضن مئات الكتابات المسجّلة على واجهاته الشاهقة، والتي يعود تاريخ معظمها إلى النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد. وتكشف هذه النقوش عن تطوّر اللغات واللهجات العربية المبكرة، وعن الدور الثقافي والتجاري الذي لعبته العلا كممرّ للقوافل وملتقى للحضارات. ولا تقتصر التجربة على التجوّل بين الصخور، بل تمتد لتقديم ورش تعليمية تُعرّف
الزائر بأساسيات قراءة النقوش، وطرق نحت الرموز، باستخدام أدوات تحاكي ما استخدمه الإنسان القديم. وفي جانب آخر، تُقام جلسات حكايات تُروى فيها قصص الشخصيات والحوادث التاريخية التي وثّقتها النقوش، ما يمنح الزائر إحساسًا بالغوص في الزمن واستعادة حياة انقضت لكنها ما زالت تنبض على جدران الجبل. وتسهم هذه التجربة في تعزيز مكانة جبل عِكمة كواحد من أهم مواقع التراث الإنساني في المملكة، وتشكّل عنصرًا رئيسًا في رؤية العُلا لتقديم التاريخ
بأسلوب حديث وتفاعلي يجمع المعرفة بالمتعة، ويلامس فضول الزائر الساعي لاستكشاف أعماق الثقافة العربية القديمة. بهذه الرحلة، تصبح العُلا ليست مجرد مقصد سياحي، بل بوابةٍ إلى الماضي ودرسًا ممتدًا في جمال الحضارات التي مرّ صوتها على الصخور وبقي أثرها شاهدًا على روعة الإنسان الأول وعمق انتمائه للأرض.
Leave a comment