صلالة – عُمان
تتجه سلطنة عمان بخطى متسارعة نحو تعزيز مكانة صلالة كنموذج إقليمي رائد في التنمية المستدامة، وذلك من خلال حزمة متكاملة من البرامج البيئية والخطط العمرانية التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد الطبيعية. لم تقتصر هذه الجهود على الجوانب النظرية فحسب، بل تجسدت في مشاريع طموحة تُنفذ على أرض الواقع، بدءاً من المخطط الهيكلي لمدينة صلالة الذي يضم “المدينة المستقبلية” على مساحة 7 كيلومترات مربعة لتستوعب 60 ألف نسمة، وصولاً إلى المبادرات الشبابية التي حولت المواقع الساحلية إلى وجهات سياحية صديقة للبيئة .
علاوة على ذلك، تبرز في مقدم هذه المبادرات “مشروع لمير السياحي” في منطقة المغسيل، الذي أطلقه شباب عمانيون طموحون عام 2022 ليكون نموذجاً حياً للاستثمار المحلي المستدام. هذا المشروع لم يكتفِ بتحويل أحد المجاري المائية المؤدية إلى خور فدكت إلى وجهة متكاملة تضم مطاعم ومقاهٍ ومناطق ألعاب للأطفال ورحلات بالقوارب، بل راعى أيضاً إعادة تنظيم مجرى الوادي وتحويله إلى مساحة نظيفة ومنظمة مع الحفاظ على النظام البيئي الهش للمنطقة . ونتيجة لهذا التصور الذكي، بات الموقع يجمع بين الجمال الطبيعي للشواطئ الفضية والكهوف، واللمسة العصرية التي تجذب السياح دون الإخلال بالتوازن البيئي، مما يعكس قدرة الشباب على قيادة مسار النمو الأخضر .
بالتوازي مع ذلك، تتسع رقعة المشاريع البيئية لتشمل استثمارات حكومية ضخمة تتجاوز 2.8 مليون ريال عماني، حيث تنفذ بلدية ظفار حالياً ثلاث مشاريع لتطوير المطلات الطبيعية في ولايات صلالة ورخيوت وضلكوت، بالإضافة إلى حديقة عامة في شعب أصعيب بولاية رخيوت . تشمل هذه المشاريع إنشاء مسارات للمشاة وأماكن جلوس وإضاءة زينة في مواقع جبلية تطل على مناظر بحرية بانورامية، مع الحرص التام على الحفاظ على السلامة البيئية للمنحدرات الجبلية والتكوينات الطبيعية الفريدة. هذا النهج المتكامل يؤكد أن صلالة تسير بثبات نحو تحقيق أهداف رؤية عمان 2040، التي تركز على تنويع الاقتصاد وجعله أكثر استدامة وعدالة.
كجزء من هذا التحول الأخضر الشامل، لم تغفل الخطط الموضوعة مواجهة التحديات المناخية، حيث يستشرف المخطط الرئيسي لتطوير الواجهة البحرية بصلالة، الذي صممته شركة ساساكي العالمية بالتعاون مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، حلولاً مبتكرة لمواجهة ارتفاع منسوب مياه البحر والفيضانات الموسمية. يتضمن ذلك إنشاء حديقة أرطى رطبة وهياكل طبيعية تعمل كمنظومة دفاعية ذكية، إلى جانب اعتماد مبدأ “الأحياء ذات العشر دقائق” الذي يشجع على المشي ويقلل الاعتماد على المركبات الخاصة . بهذا الشكل، تتحول صلالة تدريجياً إلى مختبر حي للابتكار الحضري، مقدمه للعالم نموذجاً يحتذى به في كيفية التوفيق بين التوسع العمراني وحماية البيئة، مما يعزز مكانتها كوجهة سياحية جاذبة على مدار العام وليس فقط خلال موسم الخريف.
Leave a comment