تُعدّ جمهورية مصر العربية واحدة من أبرز الوجهات العالمية للسياحة الدينية، و رحلة في دروب الإيمان والتاريخ إذ تمتزج على أرضها الحضارات والرسالات السماوية، لتمنح الزائر تجربة روحية وثقافية فريدة تمتد عبر آلاف السنين. فمن مآذن القاهرة التاريخية إلى أجراس الكنائس العتيقة، تتجلى صورة التعايش والتنوع الديني الذي شكّل جزءاً أصيلاً من الهوية المصرية.
في الجانب الإسلامي، تحتضن العاصمة المصرية القاهرة مجموعة من أهم المعالم الدينية والتاريخية التي يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم. ويأتي في مقدمتها جامع الأمام الحسين الذي يقع في قلب حي الحسين التاريخي، جامع الأزهر، الذي تأسس عام 970م ويُعد أحد أقدم الجامعات الإسلامية وأبرز منارات الوسطية والعلوم الشرعية، مسجد السيدة زينب و مسجد السيدة نفيسة ، ومسجد الإمام الشافعي من أشهر المقامات الإسلامية. كما تبرز عظمة جامع محمد علي داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي، بطرازه العثماني المميز وإطلالته الساحرة على القاهرة التاريخية. ولا يمكن إغفال زيارة مسجد عمرو بن العاص، أول مسجد أُقيم في القارة الأفريقية بعد الفتح الإسلامي لمصر، ليظل شاهداً على بدايات انتشار الحضارة الإسلامية في المنطقة.
أما السياحة المسيحية، فتأخذ الزائر في رحلة روحانية ترتبط بمسار العائلة المقدسة التي يُعتقد أنها لجأت إلى مصر هرباً من بطش الملك هيرودس. ويُعد الكنيسة المعلقة في منطقة مصر القديمة من أشهر الكنائس القبطية وأكثرها جذباً للزوار، لما تتمتع به من قيمة دينية ومعمارية كبيرة. كما تحظى كنيسة أبي سرجة بمكانة خاصة، إذ تشير المعتقدات المسيحية إلى أن العائلة المقدسة أقامت في المغارة الموجودة أسفلها خلال رحلتها داخل مصر. وتستقطب كذلك دير سانت كاترين آلاف الزائرين سنوياً، باعتباره أحد أقدم الأديرة العاملة في العالم وموقعاً روحياً وتاريخياً استثنائياً عند سفح جبل موسى.
ولا تقتصر أهمية السياحة الدينية في مصر على بعدها الروحي فحسب، بل تسهم أيضاً في تنويع المنتج السياحي المصري وتعزيز الاقتصاد الوطني، من خلال جذب شرائح متنوعة من السائحين المهتمين بالتاريخ والثقافة والتراث الديني. كما تعمل الجهات المعنية على تطوير البنية التحتية للمواقع المقدسة والترويج لمشروعات نوعية، وفي مقدمتها مشروع إحياء «مسار العائلة المقدسة»، الذي أصبح أحد أبرز المنتجات السياحية الواعدة في المنطقة. وتشير أحدث البيانات الصادرة عن مسؤولين بوزارة السياحة والآثار إلى أن المسار استقطب أكثر من مليون زائر خلال عام 2024، محققاً نمواً تجاوز 300% مقارنة بعام 2023 الذي سجل نحو 300 ألف زائر فقط.
تتبنى مصر خلال السنوات الأخيرة استراتيجية متكاملة لتحويل السياحة الدينية من منتج سياحي موسمي إلى أحد المحاور الرئيسية في خريطة الترويج السياحي الدولية، وعملت على التعاون مع شركات دولية متخصصة، وتنويع المنتج السياحي الديني سواء الإسلامي أو المسيحي، وإدراجه ضمن برامج الحج المسيحي العالمية، كما عملت على التسويق الرقمي والمحتوى متعدد اللغات وتأهيل الكوادر السياحية، مع تكثيف المشاركة في المعارض والملتقيات الدولية.
إن زيارة مصر ليست مجرد رحلة لمشاهدة المعالم، بل تجربة إنسانية عميقة تعبر بالزائر بين صفحات التاريخ ومشاهد الإيمان، حيث تتجاور المآذن والكنائس في لوحة حضارية فريدة تؤكد أن أرض الكنانة كانت وما تزال ملتقىً للديانات والحضارات، ووجهة استثنائية للباحثين عن السكينة والمعرفة وجمال التراث الإنساني.
——- انـــتــــــــــهــــــــــى ——-
Leave a comment