عبدالرحيم العرجان – الرحلة
من أجمل ما تمنحه الكتابة عن الأوطان أن تتحول الكلمات إلى رحلة حقيقية. خلال ترحالي في مصر، تعرّفت على مجموعة من الرحالة والمغامرين الذين جمعني بهم شغف السفر، واكتشاف الأماكن، والتعرّف على ثقافات الشعوب.
وخلال لقاءاتنا المتكررة الذي تقاسمنا به فرح الانجاز، كان الأردن حاضرًا في أحاديثنا؛ فكنت أشاركهم ما أكتبه وأنشره من مقالات وصور عن طبيعته وتاريخه وأهله، وأروي لهم قصص الأماكن التي تعلّق بها قلبي، وأجمل التجارب التي عشتها مع أهل الريف والبادية.
ومع مرور الوقت، تحولت تلك الأحاديث إلى رغبة حقيقية لديهم في زيارة الأردن واكتشافه بأعينهم. وهذا أحد أهداف الترحال بالنسبة لي؛ الترويج للوطن وبناء الجسور بين الشعوب بجهود ذاتية، في ظل غياب الدعم.
وحين جاءت اول فرصة، قرروا خوض التجربة، فتنقلوا بين شمال المملكة وجنوبها، وقصدوا جبالها، وساروا في أوديتها ومدنها، والتقوا بأهلها دون ترتيبات مسبقة، فكان الاهل خير سفراء لوطنهم.
وتكشف تجارب زوارنا أن الترويج الحقيقي للأوطان لا يقتصر على الحملات الإعلانية أو المواد الدعائية والمنصات الرسمية، بل يبدأ أحيانًا من قصة تُروى بصدق، أو صورة تُلتقط بشغف، أو تجربة ينقلها رحّال عاش المكان بكل تفاصيله. وهذا ما أكدته دراستنا العلمية الموسومة: «مدى كفاية وسائل الإعلام العربية للترويج لسياحة المغامرة». فحين يكون المروّج مؤمنًا بما يقدمه وصادقًا في نقل تجربته، يصبح أكثر قدرة على بناء الثقة وإثارة فضول الآخرين لاكتشاف الوجهة بأنفسهم.
وفي السطور التالية، يشاركنا هؤلاء الرحالة انطباعاتهم وتجاربهم الشخصية بعد زيارتهم، ويتحدثون عن الأماكن التي أسرتهم، والمواقف التي بقيت عالقة في ذاكرتهم، وعن الكرم الأردني الذي كان حاضرًا في كل محطة من محطات رحلتهم.

يوسف حسام
من أكثر ما سيبقى عالقًا في ذاكرتي بعد رحلتنا إلى الأردن ليس جمال الأماكن فقط، بل جمال الناس الذين التقيناهم على مدار الرحلة. فمنذ اللحظة الأولى لوصولنا شعرنا أننا بين أهلنا، إذ لم نصادف شخصًا إلا واستقبلنا بترحاب صادق ومحبة خالصة.
ومن المواقف التي لن أنساها لقاء الحاج أبو متعب في منطقة سحم الكفارات. كنا نسأل عن الطريق وعن مكان مناسب لمشاهدة الجبال، فإذا به يستضيفنا بين أفراد أسرته، ويحدثنا عن الأردن وتاريخه، ويقدم لنا الشنينة، ذلك المشروب التقليدي المميز. ولم يكتفِ بذلك، بل أصر على أن نتناول الطعام معه، وساعدنا في الوصول إلى موقع معركة اليرموك والتواصل مع أشخاص هناك، وكأننا أصدقاء يعرفهم منذ سنوات.
كما التقينا الأستاذ يوسف البرغوثي في أحد شوارع عمّان أثناء تصويرنا لمبنى سكنه دون علم مسبق. لم يكن يعرفنا من قبل، لكن ما إن علم أننا مصريون حتى أصر على دعوتنا إلى الغداء وتجربة المنسف الأردني، مؤكدًا أننا ضيوف الأردن، وبالتالي ضيوفه.
ولا بد من ذكر صديقنا قُصي، الذي استقبلنا وساعدنا في كل خطوة، ولم يتأخر في تقديم الاقتراحات التي منحت الزيارة طابعًا مختلفًا ومميزًا.
وبعيدًا عن هذه المواقف، تكررت معنا صور الكرم في المطاعم والمتاجر ومحطات الوقود، حيث وجدنا من يرفض تقاضي ثمن ما يقدمه أو يكتفي بمبالغ رمزية. لذلك أستطيع القول إن أجمل ما رأيته في الأردن هو شعبها الكريم قبل أي شيء آخر.

ياسمين أبو علي
قبل سفرنا قضينا وقتًا طويلًا نبحث عن أماكن للتخييم وسط الطبيعة. ورغم أننا حددنا عدة مواقع مسبقًا، فإن أجمل تجربة جاءت من توصية عفوية من أحد السكان المحليين، حين اقترح علينا منطقة عراق الرهبان في عجلون، التي استمدت اسمها من الرهبان الذين عاشوا فيها قديمًا، فقررنا التخييم هناك.
منذ وصولنا، لفت انتباهنا جمال الطبيعة والهدوء الذي يحيط بالمكان. كانت الأجواء معتدلة والمناظر الخضراء تمتد في كل اتجاه. وفي المساء، التقينا بمجموعة من الأردنيين كانوا يقيمون حفل شواء في الغابة، فرحبوا بنا وجلسنا معًا حول النار نتبادل الأحاديث والقصص ونضحك حتى وقت متأخر من الليل.
وخلال الليل، كنا نسمع أصوات الحيوانات من حولنا دون أن نتمكن من رؤيتها، وفي الصباح استمتعنا بمشاهدة شروق الشمس فوق الجبال والاستماع إلى أصوات الطيور المنتشرة في المنطقة.
بعد ذلك توجهنا إلى غابة دبين، وهي واحدة من آخر الغابات الطبيعية لأشجار الصنوبر الحلبي في المنطقة، وتضم العديد من الأنواع النادرة من النباتات والحيوانات. هناك أعجبتنا الأشجار التي تنمو على المنحدرات، إضافة إلى نظافة المكان والاهتمام الواضح بالحفاظ على البيئة.
كما كانت رحلتنا في وادي الحسا من أكثر التجارب تميزًا؛ فقد سرنا بمحاذاة الشلالات الصغيرة والجداول التي تغذي واحدًا من أطول الأودية في المملكة. وبعدها وصلنا إلى محمية ضانا عند الغروب، وهي أكبر محمية طبيعية في البلاد وأكثرها تنوعًا، حيث تلتقي الجبال والوديان والصحراء في مشهد مذهل.
وكانت محطتنا الأخيرة في برقش، حيث شاهدنا ثعلبًا صغيرًا يمر بالقرب من المخيم عند الفجر، كما زرنا كهف برقش الذي تشكلت على جدرانه ترسبات ملحية عبر آلاف السنين. وأكثر ما بقي في ذاكرتي من هذه التجربة ليس جمال الطبيعة فقط، بل أيضًا كرم الناس وحسن استقبالهم، وهو ما جعل الرحلة أكثر تميزًا.

محمود خالد
البترا، أو كما يدل اسمها: «الصخرة»، أكثر من مجرد خزنة منحوتة في الصخر.
لطالما كانت زيارة البترا أحد الأحلام التي تمنيت تحقيقها، وكنت أظن أن معرفتي بها تقتصر على الصورة الشهيرة للخزنة التي نراها في صور الزائرين. لكن ما اكتشفته على أرض الواقع كان مختلفًا تمامًا.
فالمدينة ليست مجرد معلم أثري واحد، بل مدينة كاملة تنبض بالتاريخ بين الجبال والتكوينات الصخرية المدهشة. كل خطوة داخل الموقع تكشف مشهدًا جديدًا؛ ألوان الصخور المتدرجة، والممرات المنحوتة بعناية، والامتداد الهائل للمكان الذي يفوق بكثير ما يمكن أن تنقله الصور.
أكثر ما أثار إعجابي وفضولي في الوقت نفسه هو حجم الإبداع الذي أظهره الأنباط في نحت المباني والواجهات داخل الصخور، وكيف استطاعوا تحويل الطبيعة القاسية إلى مدينة متكاملة ما زالت تبهر الزوار بعد قرون طويلة.
وبين الجبال والوديان يشعر الزائر أن المكان يدعوه إلى التأمل، ليس فقط في جماله، بل في قدرة الإنسان على الإبداع وترك أثر يتجاوز الزمن.
كانت الرقيم، الاسم القديم للمدينة، واحدة من أكثر التجارب إلهامًا وتميزًا بالنسبة لي، ومكانًا مختلفًا عن أي وجهة زرتها من قبل. إنها ليست مجرد موقع أثري، بل تجربة تترك أثرًا عميقًا في الذاكرة، وتدفعك بالتأكيد إلى العودة إليها مرة أخرى.
يمنى جمال
لم تكن رحلتي إلى الأردن مجرد جولة سياحية عابرة، بل كانت تجربة مفعمة بالبهجة والسلام النفسي النابع من تنوع الألوان وروعة الطبيعة في كل بقعة.
وإذا كان عليّ اختيار مكان محدد استوقفني، فهو وادي الموجب؛ إذ إن طبيعته مبهرة إلى درجة تجعل المرء يردد «سبحان الله» في كل لحظة، سواء عندما يرفع بصره ليرى السماء منسوجة بين الصخور الشاهقة والصخرة المعلقة، أو حين يتأمل المياه المتدفقة فوق الصخور ذات الأشكال والألوان البديعة.
أما السمة الأبرز للرحلة، فكانت تلك الراحة النفسية التي تفرضها الألوان في كل مكان. ففي العاصمة عمّان، تأسر العين الرسومات والجداريات الجميلة على المباني، وتنعش الروح رائحة الورود العطرية المنتشرة في البيوت، مما يبعث في النفس سعادة غامرة.
وفي الشمال، تتكفل المساحات الخضراء الواسعة بإراحة الأعصاب، وتبرز أشجار القيقب المبهجة بجذوعها البرتقالية الفريدة التي تكسر اللون البني التقليدي. أما الجنوب، فيأخذك إلى عالم آخر من الألوان؛ حيث تتجلى بلون جبالها الأحمر الطبيعي، وتتكامل مع صخور الكوارتز البنفسجية وحجر الأفنتورين المميز، إضافة إلى الحفريات الجيولوجية المبهرة.
ولا يمكنني بالطبع أن أنسى المشهد العجيب للبحيرات الوردية (Pink Lakes)، الذي يلخص سحر الطبيعة هناك، رغم أن المنطقة تُعد خطرة بسبب وجود خسوفات أرضية قد تنهار في أي لحظة. لتبقى هذه الرحلة تجربة مبهجة ومريحة للروح إلى أبعد حد.
كن انت السفير
وفي الختام، لا يسعنا إلا القول إن التواصل المباشر هو ما يصنع الثقة ويعزز السياحة. فكن سفيرًا لوطنك، بليغ الكلمة، صادق الرسالة، تفتح لك أبواب الأخوة والصداقة، ويأتيك الزوار محملين بالشغف لاكتشاف ما تحب وتؤمن به.
Leave a comment