Home أخبار مصر… فردوس التصوير الفوتوغرافي
أخبارأخبار السياحةالسياحة الترفيهيةالشركات الناشئةسياحة عالمية

مصر… فردوس التصوير الفوتوغرافي

Share
Share

كتب الرحال والموثق عبدالرحيم العرجان : ليست كلُّ البلاد سواء في عيون المصورين؛ فثمة أماكن تمنحك اللقطة، وأماكن تمنحك الحكاية. وفي رحلات البحث عن الصورة التي تبقى في الذاكرة قبل أن تُحفظ في الأرشيف، يبقى عاملان أساسيان لا غنى عنهما: الندرة والأمان. فالمصور، أينما كان، يسعى إلى لحظةٍ بصرية صادقة، تلتقطها عدسته فتغدو شاهداً على جمالٍ عابر أو مشهدٍ خالد، وربما تتحول لاحقاً إلى عملٍ  فني ينافس في كبريات المسابقات العالمية أو يتصدر جدران امهات المعارض الفنية.    
وهذا تماماً ما وجدناه في زياراتنا المتكررة إلى جمهورية مصر العربية؛ ففي كل رحلةٍ تتجدد الدهشة، وكأن البلاد لا تكفّ عن كشف اسفار جديدة من أسرارها البصرية. المدن فيها حكايات، والأرياف ذاكرة حيّة، والبوادي فضاءات مفتوحة للتأمل. وفي كل زاوية كنزٌ بصري ينتظر عيناً تكتشفه وعدسةً تحفظه.   
إنها أرضٌ ضاربة في عمق التاريخ، شهدت بدايات الحضارة الإنسانية، وتعاقبت عليها رسالات الأنبياء، وترك أهلها عبر القرون ميراثاً من الشهامة والأصالة والكرم. وما إن يعرف الناس أنك ضيف حتى يحيطوك بترحابٍ يذكّر بزمنٍ جميل لم تغادره القيم ولا تنسى مواقفة.     
في مصر، يكفي أن تعرف الطريق إلى المكان الصحيح، لتجد نفسك في قلب مشهدٍ فوتوغرافي نابض بالحياة. ومن خلال تجربتنا بالتحكيم في مسابقات التصوير الدولية، ومتابعتنا لمعارض الفن الفوتوغرافي حول العالم وتقيم الاعمال، يمكن القول بثقة إن ما تقدمه مصر للمصورين قلّما يتكرر في مكانٍ آخر. فالحياة هناك تمضي بطبيعتها، دون تصنّع أو ترتيب مسبق، وكأن الشارع نفسه يهيّئ المسرح للصورة.   
وقد كان لنا شرف الفوز بذهبية أوروبا والشرق الأوسط في ألمانيا عن صورةٍ التُقطت لأيقونة العمارة الإسلامية جامع السلطان حسن في القاهرة؛ تلك اللحظة التي التقى فيها الضوء بالحجر العتيق، فانبثقت صورةٌ تحمل روح المكان قبل ملامحه.     
ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف رحلاتنا عبر الوجود والجغرافيا المصرية؛ من جبال سيناء إلى سهول الصعيد، وصولاً إلى تخوم شلاتين على ساحل البحر الأحمر. وفي كل محطة كانت العدسة تكتشف عالماً جديداً من الصور والقصص.

الشارع… مسرح الحياة
يُعدّ تصوير الشارع من أرقى فنون التصوير، لأنه ينقل الحياة كما هي: صادقة، عفوية، غير مُعدّة سلفاً. هنا تتجلى العادات والتقاليد في تفاصيل صغيرة: في ثوبٍ شعبي، أو ابتسامة بائعٍ متجول، أو ضحكات أطفال يركضون بين الأزقة.
ومن أكثر المشاهد التي لا تُنسى ما شهدناه في ليلة منتصف شعبان بمدينة قنا، حيث تمتزج حلقات الذكر بأصوات الطبول والمزمار، وتتبارى عروض التحطيب والمرماح في ساحات مفتوحة، بينما تصطف عربات الحلوى التقليدية وتنتشر أجواء الاحتفال في كل زاوية. هناك يتحول الشارع إلى مهرجانٍ بصري متكامل، يفيض بالمشاهد التي لا يمكن ترتيبها أو صناعتها.
وفي المدن الكبرى، تتجاور الأزمنة في مشهدٍ واحد؛ عمارة القرن الماضي تقف إلى جوار الأبنية الحديثة، والعربات القديمة تمر بمحاذاة السيارات الجديدة، بينما تغطي الجداريات الفنية الجدران وتطل التماثيل من الساحات والميادين. إنها توليفة بصرية نادرة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في تناغمٍ يدهش العين.     

العمارة… ذاكرة الحجر
في مصر، لا تُصوَّر العمارة بوصفها مباني فحسب، بل بوصفها ذاكرةً متجسدة في الحجر. فكل جدار يحمل حكاية، وكل قوسٍ معماري يروي فصلاً من تاريخٍ طويل.
والمصور هنا لا يلتقط الصورة فحسب؛ بل يصغي إلى المكان ويصنع سفرا، يراقب حركة الضوء والظل، ويتتبع انعكاس الشمس على النقوش، حتى تتشكل اللقطة التي تمنح البناء حياةً جديدة داخل الإطار.
ومن أبرز الأمثلة الملهمة في هذا المجال ظاهرة تعامد الشمس في معبد أبو سنبل؛ تلك اللحظة الفريدة التي تتحول فيها أشعة الشمس إلى لغةٍ معمارية دقيقة، وكأن القدماء صاغوا الضوء ذاته ضمن تصميمهم المعماري.
وفي كل مدينة مصرية تتجاور طبقات التاريخ: من الروماني والبيزنطي إلى الإسلامي والحديث، في مشهدٍ معماري غني لا يكشف أسراره إلا لمن يتأمله بعمق.       

الطبيعة… لوحة الألوان الكبرى
أما الطبيعة المصرية، فهي عالمٌ آخر من الدهشة البصرية. فعلى سواحل البحر الأحمر تمتد شواطئ القلعان وحنكوراب، حيث يلتقي صفاء الماء بزرقة السماء في لوحةٍ طبيعية تكاد تكون مثالية.
وفي أودية سيناء تتدرج الصخور بألوانٍ مذهلة، كما في الوادي الملوّن والوادي الأبيض قرب عين حضرة والكيد واسلا، حيث تتلاقى الجيولوجيا بالنبات في مشهدٍ يجمع بين الصرامة والجمال.
ومن هناك ترتفع جبال موسى وسانت كاترين، حيث يمتزج التاريخ الروحي بالطبيعة الجبلية الصامتة، في فضاءٍ يوقظ التأمل قبل أن يوقظ الكاميرا.

ويمضي نهر النيل في رحلته الأبدية، حاملاً معه الحياة والطيور المهاجرة ومشاهد الريف الممتدة، فيما تزدهر الشعاب المرجانية في مياه البحر الأحمر بألوانٍ لا يكاد الخيال يبتكر أجمل منها.
الريف والبادية… روح المكان
في الريف المصري تتجسد العلاقة القديمة بين الإنسان والأرض. الفلاح يعمل في حقله بثوبه التقليدي، والسنابل تمتد حوله حتى الأفق، فيما يترك الزمن بصمته الهادئة على الوجوه.
وهناك تتشكل الصور الحقيقية؛ فالفلاح قد يشاركك من ثمار أرضه وأنت تصوره، والأطفال يمنحونك ابتساماتهم الصافية بعد استئذان أهلهم، في لحظةٍ إنسانية صادقة لا تُصطنع.
وفي الجنوب، حيث ترعى قبائل العبابدة والرشايدة الإبل الأصيلة، وحيث تصل الطرق إلى شلاتين، يعيش الناس ببساطةٍ وكرمٍ عريق. هناك قد تشتم اللحم يُطهى على الحجارة في الهواء الطلق، ويتصاعد دخان الشواء في مشهدٍ بصري مثالي، فيما يمدّ لك المضيف يده بقطعةٍ من الطعام قبل أن تطلبها.
إنها لحظة تختصر معنى الضيافة، وتمنح الصورة روحاً لا تُشترى.
لقد سجّل المصري القديم تفاصيل حياته على جدران المعابد، حتى مشاهد المصارعة التي ما زالت منقوشة في آثار تل العمارنة وبني حسن بمحافظة المنيا. وما زالت تلك النقوش تلهم المصورين حتى اليوم، لأنها تذكّرنا بأن الصورة كانت دائماً وسيلة الإنسان لتخليد لحظته.
وهكذا تبقى مصر، بكل ما فيها من تاريخ وطبيعة وإنسان، أرضاً لا تنضب بالصور… بل فردوساً حقيقياً للمصورين، حيث تستطيع العدسة أن تكتشف في كل مرة مشهداً جديداً في هذه الأرض التي استحقت منذ القدم لقب أم الدنيا.

Share

Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Articles
أخبارأخبار السياحةالسياحة الترفيهيةالشركات الناشئةمهرجانات وفعاليات

السعودية تطلق صيف بريدة والبصر بـ100 فعالية

القصيم - السعوديةتشهد منطقة القصيم انطلاقة موسم صيفي واسع مع إعلان تنظيم...