من منّا لم يقطع يومًا مسافةً طويلة، ويدفع نقودًا، ويقف في طابور… ليصل أخيرًا إلى لا شيء؟ خطٌّ مرسومٌ على الأرض، أو نقطةٌ في العراء، أو حجرٌ كُتب عليه «هنا». ومع ذلك يفعلها الملايين كل عام، بابتسامةٍ عريضة، وكأنهم بلغوا كنز الأُلدورادو.
خذوا «منتصف العالم» في الإكوادور مثلًا. يقصده الزوّار من كل القارات ليقف الواحد منهم بقدمٍ في النصف الشمالي للكرة الأرضية وأخرى في الجنوبي، فوق خطٍّ أصفر رُسم على البلاط. لا جبل، لا نهر، لا شيء سوى خطٍّ ونصبٍ حجري. والمضحك المبكي أن هذا الخط… في المكان الخطأ! فقد قاس الفرنسيون موقع خط الاستواء عام 1736 باجتهادٍ مذهلٍ لزمانهم، لكنّ أجهزة الـGPS كشفت لاحقًا أن خط الاستواء الحقيقي يمرّ على بُعد نحو 240 مترًا شمالًا. أي أن ملايين الصور التي التُقطت «على الخط» التُقطت في نصفٍ واحدٍ من الكرة لا في اثنين.
ولأن الإنسان كائنٌ يعشق الوقوف على الحدود الوهمية، انتقلوا معي إلى غرينتش في لندن. هناك يصطفّ الزوّار فوق خط الزوال الأول —خط الطول صفر— الذي تُقاس منه ساعات العالم كلّه، فيضع أحدهم قدمًا «في الشرق» وأخرى «في الغرب» ويلتقط صورةً تستحق المشاركة. والطريف أن هذا الخط أيضًا ليس في موضعه! إذ يُظهر الـGPS أن خط الزوال الحقيقي يبعد نحو 102 مترٍ شرقًا، ويمرّ في حديقة غرينتش بهدوءٍ تام، حتى إن أبرز معلمٍ يقف عليه —كما يلاحظ الزوّار الفضوليون— ليس نصبًا ولا تمثالًا، بل سلّة قمامة!
فلماذا نفعل هذا بأنفسنا؟ لماذا نسافر آلاف الكيلومترات لنقف على لا شيء، وأحيانًا على لا شيءٍ في غير مكانه أصلًا؟
أظنّ أن السرّ ليس في المكان، بل فينا نحن. الإنسان يحبّ أن يلمس الفكرة بيده. خط الاستواء مفهومٌ مجرّد تعلّمناه في المدرسة برسمٍ على كرةٍ بلاستيكية؛ فحين نقف عليه «حقًّا»، نحوّل المعلومة إلى ذكرى، والرقم إلى قصةٍ نرويها على العشاء. نحن لا نزور المكان، بل نزور المعنى الذي علّقناه عليه؛ فالحجر صامت، لكنّ الحكاية التي نصنعها حوله هي البضاعة الحقيقية.
ثم إن في الأمر شيئًا من المرح البريء: أن تقف فوق خطٍّ وتقول «أنا الآن في نصفين»، أو أن تضع قدميك على خط التاريخ الدولي وتعلن «قدمي في يومٍ وقدمي في غد»، فيه طفولةٌ لطيفة لا يُستهان بها. والإنسان، مهما كبر، يظلّ يبحث عن لعبةٍ تُدهشه.
ولعلّ أجمل ما في هذه «الأماكن الفارغة» أنها تُذكّرنا بتواضع المعرفة: حسَب الفرنسيون والإنجليز خطوطهم بأفضل ما لديهم، ثم جاءت الأقمار الصناعية فابتسمت وقالت: «اقتربتم… لكن ليس تمامًا». ومع ذلك بقيت الخطوط في أماكنها، والزوّار يتدفّقون، والصور تُلتقط.
وبالنسبة لي، أرى أن المكان الذي «لا شيء فيه» قد يكون أصدق من سواه؛ فهو لا يبيعك منظرًا، بل يبيعك فكرة. وما أحلى أن نسافر أحيانًا لا لنرى شيئًا، بل لنقف على فكرةٍ ونبتسم.
Leave a comment