علي السعد
في مدن كثيرة يمكن أن تعجبك المباني أو يلفتك الجمال، لكن في فاس لا تكتفي بالإعجاب؛ بل تشعر أن المدينة تسحبك إلى داخلها بهدوء، كأنها تقول لك تعال لأحكي لك قصة عمرها أكثر من ألف عام. منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها أسوارها القديمة، أدركت أنني أمام مدينة لا تُزار سريعاً، بل تُعاش.
سحر فاس يبدأ من المدينة العتيقة، حيث الأزقة الضيقة المتشابكة، والأبواب الخشبية الثقيلة، والنقوش التي تحمل أثر قرون من الحرفيين. كل زاوية هناك تبدو وكأنها لوحة حية. حين تقف أمام جامعة القرويين، أقدم جامعة ما زالت تعمل في العالم بحسب منظمات ثقافية عديدة، تشعر بأنك تقف أمام ذاكرة علمية ضخمة، مرّ من هنا علماء وفقهاء ومفكرون تركوا أثرهم في التاريخ الإسلامي.
ثم تمضي في الأزقة حتى تصل إلى المدرسة البوعنانية، حيث يتجلى الفن المعماري المغربي في أدق تفاصيله: الزليج الملون، الخشب المنقوش، والجص المزخرف. هناك لا تتأمل البناء فقط، بل تتأمل الصبر الذي صاغه. كأن كل حجر يقول إن الجمال يحتاج وقتاً ليولد.ومن أكثر اللحظات رسوخاً في ذاكرتي زيارتي إلى دباغة الشوارة.
الرائحة القوية قد تباغتك أولاً، لكن المشهد من الأعلى يسرق انتباهك: أحواض دائرية بألوان طبيعية، وأيدٍ تعمل بالطريقة ذاتها منذ قرون. هنا تشعر بأن الزمن لم يتغير كثيراً، وأن الحرفة ليست مجرد عمل بل إرث متوارث.سحر فاس ليس في معالمها فقط، بل في إيقاعها البطيء.
لا أحد يركض. الباعة ينادون بهدوء، وأصوات النحاسين في سوق الصفارين تصنع موسيقى خاصة بالمدينة. في المساء، حين تهدأ الحركة، وتجلس في ساحة قديمة تشرب الشاي بالنعناع، تدرك أن فاس تعيد لك شيئاً فقدته في المدن الحديثة: البساطة.تاريخياً، تأسست فاس في القرن الثامن الميلادي على يد إدريس الأول، ثم أصبحت عاصمة علمية وروحية للمغرب لقرون طويلة.
هذا العمق التاريخي يمنحها هيبة خاصة. أنت لا تمشي في شوارع عادية، بل في صفحات مفتوحة من كتاب قديم.ما سحرني حقاً أن فاس لم تحاول أن تكون مدينة عصرية مبهرة، بل بقيت وفية لروحها. لم تتخلّ عن هويتها لتواكب العالم، بل جعلت العالم يأتي إليها ليكتشفها كما هي. وهذا الصدق في الشخصية هو أجمل ما فيها.
عدت من فاس وأنا أحمل معي أكثر من صور. حملت إحساساً بأن هناك مدناً لا تكتفي بأن تزورها، بل تترك بصمتها فيك. فاس لم تكن محطة في رحلة، بل كانت تجربة روحية وثقافية جعلتني أعيد التفكير في معنى الأصالة والجمال.
Leave a comment