سيول – كوريا الجنوبية تستعد ساحة غوانغهوامون في قلب العاصمة الكورية سيول لاستقبال حدث استثنائي في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، حيث تحيي فرقة BTS أيقونة موسيقى البوب الكورية حفلاً مجانياً يضم كامل أعضائها لأول مرة منذ أربع سنوات، في حدث يتوقع أن يستقطب نحو 260 ألف معجب من جميع أنحاء العالم، أي أكثر من ضعف أعداد المحتشدين في الاحتجاجات الكبرى التي عادة ما تجمع 100 ألف شخص، وقد دفعت هذه التوقعات السلطات إلى حشد أكثر من 9000 عنصر أمني للسيطرة على الحشود، فيما أعلنت العديد من المباني المكتبية والمطاعم والمقاهي المجاورة عن خطط لإغلاق أبوابها أو تعليق عملياتها في ذلك اليوم تفادياً للفوضى المتوقعة. وتسلط هذه الاستعدادات الضوء على معضلة متنامية تواجهها العاصمة الكورية في عصر يزداد فيه الاعتماد على “الاستهلاك التجريبي” حيث يضع الناس قيمة أكبر للتجارب الفريدة على حساب شراء السلع مع تنافسهم على توثيق هذه اللحظات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يفاقم الضغوط على المدن السياحية الشهيرة التي تجد نفسها عالقة بين فوائد التدفق السياحي الذي يعزز الإيرادات الوطنية والتكاليف الباهظة التي يتحملها السكان المحليون الذين نادراً ما تصل إليهم تلك الفوائد بشكل مباشر.
وتتجلى هذه المشكلة الهيكلية في ظاهرة “استفادة الكثيرين على حساب معاناة القلة” التي أدت في العديد من الوجهات السياحية العالمية إلى هجرة السكان الأصليين واستحواذ الشركات التجارية الكبرى على المناطق التاريخية، حيث كان الزوار يأتون في الماضي لمشاهدة الحياة الطبيعية للسكان المحليين بينما تتحول المدن الآن تدريجياً إلى ما يشبه مدن الملاهي في ظاهرة تعرف باسم “ديزنيفيكشن” أو تحويل الأماكن الأصيلة إلى نسخ مصطنعة تفقد سحرها الحقيقي.
وتأتي حفلة BTS المرتقبة لتضع السلطات المحلية في سيول أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الموازنة بين استغلال الحدث كفرصة لتعزيز المكانة السياحية لكوريا وجذب الزوار الدوليين من ناحية، وبين حماية جودة حياة السكان في المناطق المتاخمة لأماكن التجمعات الكبرى من ناحية أخرى، خاصة مع تزايد المخاوف من تحول غوانغهوامون ومناطق جذب أخرى إلى ساحات مزدحمة تفقد هويتها المحلية تحت وطأة الضغوط السياحية المتصاعدة.
ويبحث المخططون الحضريون وخبراء السياحة عن حلول مبتكرة تتيح للمدن الاستفادة من العائدات السياحية دون التضحية برفاهية السكان أو طمس الهوية الثقافية المحلية، في وقت تتصاعد فيه الأصوات المطالبة بسياسات أكثر توازناً تضمن توزيع منافع السياحة بشكل عادل وتحد من الآثار السلبية للتدفق الجماعي للزوار على البنية التحتية والنسيج الاجتماعي في المدن التاريخية.

Leave a comment