لندن – بريطانيا
في تطور يعكس التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطيران العالمي، أعلنت الخطوط الجوية البريطانية عن برنامج حوافز مالي غير مسبوق يكافئ الطيارين على خفض استهلاك الوقود وتقليص انبعاثات الكربون، وذلك في إطار استراتيجية متكاملة تهدف إلى التوفيق بين متطلبات الربحية التشغيلية والالتزام بالاستدامة البيئية في ظل تصاعد أسعار النفط وتشديد القواعد المناخية على مستوى العالم.
وينص البرنامج الذي يُنتظر أن يبدأ تطبيقه العام المقبل، على منح الطيارين مكافأة قد تصل إلى 1% من رواتبهم الأساسية، شريطة أن يتمكنوا بشكل جماعي من خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 60 ألف طن مقارنة بمستويات عام 2025. ومن المقرر أن يُطرح المقترح، الذي جاء بعد أشهر من المشاورات بين الناقل البريطاني ونقابة الطيارين البريطانيين التي تمثل 85% من طياري المملكة المتحدة، للتصويت بين أعضاء النقابة في نهاية أبريل المقبل، في خطوة حاسمة لتحديد مصير البرنامج.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في توجهها إلى تحسين كفاءة العمليات اليومية من خلال تعديل سلوكيات الطيارين، حيث يركز البرنامج على إجراءات تشغيلية دقيقة لكنها مؤثرة، مثل تقليل وقت التحرك على المدرج والاعتماد على محرك واحد أثناء السير على الأرض، إلى جانب الإدارة المثلى لكميات الوقود الإضافية المحمولة على متن الرحلات. ويؤكد وثيقة البرنامج أن قرارات طاقم الطيران لها تأثير مباشر وقابل للقياس على استهلاك الوقود والانبعاثات، مع التشديد على أن الحوافز لن تُمنح إلا عندما تتوافق كفاءة استهلاك الوقود مع معايير السلامة غير القابلة للمساومة.
ويأتي إطلاق هذه المبادرة في وقت حساس يشهد فيه قطاع الطيران ضغوطًا متصاعدة على مستوى العالم، حيث قفزت أسعار النفط إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل على خلفية التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. هذا الواقع دفع العديد من شركات الطيران إلى إجراء تعديلات على سياسات التسعير، حيث لجأ بعضها إلى فرض رسوم إضافية على التذاكر أو إلغاء رحلات، في حين حذرت شركات أوروبية من أن ارتفاع التكاليف التشغيلية سينعكس حتمًا على أسعار التذاكر الموجهة للمستهلكين.
علاوة على ذلك، تندرج مبادرة الخطوط البريطانية ضمن مساعي أوسع لتحقيق الحياد الكربوني، إذ تستثمر الشركة في الوقود المستدام للطيران إلى جانب تحديث أسطولها بطائرات أكثر كفاءة بنسبة تتراوح بين 20 و35% مقارنة بالطائرات التي تحل محلها. ويتوافق هذا التوجه مع السياسات الحكومية في المملكة المتحدة التي ألزمت شركات الطيران بأن يشكل الوقود المستدام 3.6% من إجمالي الطلب على وقود الطائرات هذا العام، ضمن خطة وطنية أوسع للوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.
ولا تقف الخطوط البريطانية وحدها في هذا المجال، إذ يعكس البرنامج توجهًا أوسع في قطاع الطيران نحو استثمار التكنولوجيا والسلوك البشري لتحقيق كفاءة الوقود، حيث سبق أن طبقت شركات مثل فيرجن أتلانتيك برامج مشابهة بالتعاون مع منصات تغيير السلوك، أسفرت عن خفض ملحوظ في استهلاك الوقود. كما تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل نظام OptiClimb من SITA لتحسين أداء الطائرات وتوفير مئات الكيلوغرامات من الوقود يوميًا.
ومع اقتراب موعد التصويت الحاسم على البرنامج من قبل أعضاء نقابة الطيارين، تترقب أوساط الطيران العالمية نتيجة هذه المبادرة التي قد تشكل نموذجًا يُحتذى في الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية، في وقت تواجه فيه الصناعة تحديات مضاعفة على صعيد التكاليف والتشريعات المناخية.
Leave a comment