بقلم الدكتور رمضان طنطاوي
تنبثق السياحة السوداء من رحم الكوارث، لترسم ملامح المعرفة على أنقاض المآسي، وتمنح الزائر فرصة للتأمل في صفحات التاريخ التي صاغتها الحروب والأزمات والانتصارات. فهي نمط سياحي يقوم على زيارة المواقع التي شهدت أحداثًا مؤلمة أو مفصلية، بهدف التعرف إلى حقيقتها، واستلهام الدروس منها، وليس بدافع الترفيه أو الإثارة.
عندما تحدثت في أحد البرامج عن هذا النمط، أثار المصطلح فضول الكثيرين، فتساءلوا عن ماهيته وأبرز وجهاته. والحقيقة أنه لا تكاد تخلو دولة من مواقع تمثل جزءًا من هذا النوع من السياحة، حيث تحولت أماكن الألم إلى شواهد تحفظ الذاكرة الإنسانية.
ومن أبرز الأمثلة سجن الباستيل في فرنسا، الذي شُيّد في القرن الرابع عشر كحصن دفاعي، ثم تحول إلى سجن للمعارضين السياسيين، قبل أن يصبح اقتحامه في 14 يوليو 1789 الشرارة الأولى للثورة الفرنسية ورمزًا للتحرر من الظلم.
كما تمثل مواقع الهولوكوست في أوروبا، مثل معسكر أوشفيتز-بيركيناو في بولندا وداخاو في ألمانيا، شواهد تاريخية توثق واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ، من خلال المتاحف والوثائق ومقتنيات الضحايا وشهادات الناجين، لتبقى رسالة دائمة ضد الكراهية والتطرف.
وفي مصر، تبرز مقابر العلمين كنصب تذكاري يخلّد ذكرى آلاف الجنود الذين سقطوا خلال الحرب العالمية الثانية، لتصبح شاهدًا على تضحيات صنعت السلام ورسخت قيمة الوفاء للتاريخ.
وتتعدد الأمثلة حول العالم، من المعتقلات والسجون التي تحولت إلى متاحف أو فنادق، إلى المدن التي أعادت بناء نفسها بعد الدمار، لتؤكد أن السياحة السوداء ليست احتفاءً بالمآسي، بل توثيقًا للذاكرة الإنسانية، وتقديرًا لتضحيات الشعوب، وتذكيرًا بأن من بين ركام الألم تولد أعظم قصص الصمود، وتُبنى نهضات الأمم.
Leave a comment