حوار خاص – جريدة الرحلة
في عالم الضيافة الفاخرة، لم تعد تجربة النزيل تقتصر على التصميم الداخلي الراقي أو الخدمات الاستثنائية، بل باتت الموسيقى أحد العناصر الأساسية التي تُشكّل هوية الفندق وتمنح الضيف تجربة حسية متكاملة. وبينما تتجه كبرى العلامات الفندقية العالمية إلى الاستثمار في ما يُعرف بـ”الهوية الصوتية”، تبرز مجموعة لانغهام كواحدة من المؤسسات التي وضعت الموسيقى في قلب استراتيجيتها الخاصة بتجربة الضيوف.
وفي هذا السياق، يؤكد أندرو غرانت، رئيس استراتيجية الموسيقى والترفيه في مجموعة لانغهام للضيافة (Head of Music Strategy and Entertainment – Langham Hospitality Group) في مقابلة خاصة مع جريدة الرحلة، أن الموسيقى أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الفخامة الحديثة، إذ تساهم في بناء أجواء المكان وتعزيز ارتباط الضيف به عاطفياً، سواء أثناء مروره في بهو الفندق أو خلال جلوسه في أحد المطاعم والمقاهي التابعة له.

رحلة صوتية متكاملة
ويشير غرانت إلى أن مفهوم الفخامة تطور خلال السنوات الأخيرة ليشمل ما يمكن وصفه بـ”الرحلة الصوتية”، حيث باتت الموسيقى قادرة على تحويل المساحات الفندقية إلى تجارب حية تترك أثراً طويل الأمد لدى الضيوف.
ويوضح رئيس استراتيجية الموسيقى والترفيه في مجموعة لانغهام للضيافة أن المجموعة تمتلك تاريخاً طويلاً في دعم الفنون والثقافة والموسيقى، وهو ما انعكس في العديد من المبادرات الثقافية والفنية التي أطلقتها المجموعة حول العالم، وصولاً إلى مشروع الهوية الصوتية الذي بدأ تطبيقه بشكل موسع منذ منتصف عام 2025.
صناعة هوية موسيقية لكل فندق
لا تعتمد المجموعة على قوائم موسيقية موحدة لجميع فنادقها، بل تبدأ العملية من خلال دراسة ميدانية لكل منشأة على حدة. ويؤكد المسؤول عن استراتيجية الموسيقى والترفيه في لانغهام أن العملية تشمل مراجعة المساحات المختلفة داخل الفندق، وتحليل أنظمة الصوت المستخدمة، وفهم طبيعة الضيوف والأنشطة التي يحتضنها المكان.
ومن خلال خبرة تراكمت على مدى سنوات في صناعة الموسيقى والضيافة، يتم تطوير هوية موسيقية خاصة لكل فندق بما يتناسب مع شخصيته وموقعه الجغرافي وطبيعة زواره.
الثقافة المحلية في قلب التجربة
ويلفت غرانت إلى أن الثقافة المحلية تلعب دوراً محورياً في عملية اختيار الموسيقى داخل فنادق لانغهام، مؤكداً أن المجموعة لا تنظر إلى الموسيقى باعتبارها مجرد خلفية صوتية، بل تعتبرها أداة للتعبير عن هوية الوجهة التي يقع فيها الفندق.
ولهذا السبب يتم دعم الفنانين المحليين وتنظيم الفعاليات الموسيقية الحية وإقامة الأنشطة الثقافية التي تعكس خصوصية كل مدينة، بما يسهم في خلق ارتباط حقيقي بين الضيف والمجتمع المحلي.
اختلاف الأسواق واختلاف الألحان
ويرى رئيس استراتيجية الموسيقى والترفيه أن الاستراتيجية الموسيقية تختلف من سوق إلى آخر، رغم وجود رؤية عامة تحكم هوية المجموعة الصوتية. فالعوامل المرتبطة بمعدلات الإشغال، وأنماط السياحة، والمواسم، والعطلات، وحتى الفعاليات الكبرى، جميعها تؤثر على طبيعة الموسيقى المستخدمة داخل الفنادق.
ويضيف غرانت أن تحقيق التوازن بين الحفاظ على هوية العلامة التجارية واحترام خصوصية كل سوق يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه فرق العمل.
الموسيقى ليست تشغيل أغانٍ فقط
ويؤكد المسؤول عن تطوير التجارب الموسيقية في مجموعة لانغهام أن هناك فرقاً كبيراً بين تشغيل الموسيقى بشكل عشوائي وبين تصميم تجربة صوتية متكاملة. فالأمر لا يتعلق باختيار مجموعة من الأغاني فحسب، بل ببناء تجربة مدروسة تقود الضيف عبر سلسلة من المشاعر والانطباعات.
ويضيف أن كل تجربة تحتاج إلى تخطيط وتنفيذ ينسجمان مع الهدف النهائي للمكان، سواء كان الأمر يتعلق بمساحة مخصصة للاسترخاء والعافية أو بقاعة تستضيف حفلاً أو فعالية كبرى.
الذاكرة العاطفية للضيوف
ويؤمن غرانت بأن الموسيقى تمتلك قدرة استثنائية على استحضار الذكريات وتحريك المشاعر، ولهذا تُستخدم كأداة لبناء علاقة عاطفية طويلة الأمد بين الضيف والفندق.
ويشير إلى أن اللحن المناسب في اللحظة المناسبة قد يتحول إلى جزء من ذاكرة السفر لدى الزائر، وهو ما تسعى المجموعة إلى تحقيقه من خلال تجاربها المختلفة.
الفنانون المحليون.. سفراء الهوية
ويشدد رئيس استراتيجية الموسيقى والترفيه في مجموعة لانغهام للضيافة على أن الفنانين المحليين يشكلون العمود الفقري لأي تجربة موسيقية ناجحة داخل الفنادق، إذ يسهمون في بناء جسور حقيقية مع المجتمع المحلي ويمنحون الفندق بعداً ثقافياً يتجاوز مفهوم الإقامة التقليدية.
كما يرى أن استضافة المواهب المحلية تخلق شعوراً بالانتماء وتحوّل الفندق إلى مساحة للتواصل الثقافي والاجتماعي.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. أدوات مساعدة لا بديل عنها
وعن مستقبل الموسيقى في قطاع الضيافة، يرى غرانت أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيؤديان دوراً متزايداً في تطوير التجارب الصوتية وتحسين جودتها، لكنه لا يعتقد أن هذه التقنيات قادرة على استبدال العنصر البشري بشكل كامل.
ويضيف المسؤول التنفيذي في مجموعة لانغهام أنه في حين يمكن للخوارزميات أن تنشئ قوائم موسيقية تلقائية وتُحلل تفضيلات المستمعين، تبقى اللمسة الإنسانية ضرورية لوضع الرؤية النهائية وصياغة التجربة بطريقة تعكس روح العلامة التجارية.
مستقبل أكثر إنصاتاً للصوت
ويتوقع أندرو غرانت أن تشهد السنوات المقبلة اهتماماً أكبر من العلامات التجارية العالمية بمفهوم الهوية الصوتية، ليس فقط في قطاع الضيافة، بل في مختلف القطاعات المرتبطة بتجربة العملاء.
ويؤكد رئيس استراتيجية الموسيقى والترفيه في مجموعة لانغهام للضيافة أن الوعي بأهمية الموسيقى وتأثيرها النفسي والعاطفي يتزايد باستمرار، ما يجعلها أحد أكثر عناصر بناء الهوية التجارية نمواً وتأثيراً في المستقبل.
وفي ظل هذا التحول، تبدو الموسيقى مرشحة لأن تصبح لغة عالمية جديدة للفخامة، وعاملاً رئيسياً في رسم ملامح تجربة الضيافة الحديثة، حيث لا يكتفي الضيف بما يراه بعينيه، بل يتذكر أيضاً ما سمعه وشعر به خلال رحلته.
Leave a comment