تونس – العاصمة
كتب الدكتور صالح المخدوم :
في إحدى زوايا منطقة العوينة في وسط العاصمة تونس، وبين الأزقة التي تختلط فيها رائحة القهوة القديمة بأصوات الحياة اليومية، يبرز مطعم Delcapo Restaurant كواحد من تلك الأماكن التي لا تشبه غيرها. ليس فقط بسبب ديكوراته الراقية أو أطباقه المميزة، بل لأنه استطاع أن يحول المطبخ التونسي من مجرد وجبات تقليدية إلى تجربة حسية متكاملة تحمل روح تونس بلمسة عالمية حديثة.
منذ اللحظة الأولى لدخول المطعم، يشعر الزائر وكأنه يعبر إلى مساحة مختلفة تمامًا عن صخب المدينة. الإضاءة الهادئة، الموسيقى المختارة بعناية، التفاصيل الفنية المنتشرة في المكان، وحتى طريقة استقبال الضيوف، كلها عناصر تجعل “Delcapo” أقرب إلى رحلة ذوقية منها إلى زيارة عادية لمطعم.
وراء هذه التجربة يقف الشيف التونسي جمال صويدي، الذي استطاع خلال سنوات أن يرسخ اسمه كواحد من أبرز الطهاة الذين أعادوا تقديم المطبخ التونسي بطريقة معاصرة دون أن يفقد هويته الأصلية. فالرجل لا يتعامل مع الطبخ كحرفة يومية فقط، بل كفن يحمل ذاكرة الشعوب وثقافتها وتفاصيلها الإنسانية.
يؤمن جمال صويدي أن المطبخ التونسي يمتلك قدرة هائلة على المنافسة عالميًا، لكنه يحتاج إلى إعادة تقديم ذكية تواكب الذوق العالمي الحديث. ولهذا، يحرص بشكل دائم على السفر إلى عدد من المدن الأوروبية، متنقلًا بين مطاعم باريس وروما ومدريد وبرشلونة، باحثًا عن أحدث أساليب الطهي والتقديم، قبل أن يعود إلى تونس ليعيد صياغة تلك الأفكار بروح تونسية خالصة.
وفي “Delcapo”، لا تُقدّم الأطباق بطريقة تقليدية. هنا تتحول “المقرونة التونسية” إلى لوحة فنية متكاملة، تُطهى بتوازن دقيق بين النكهة المحلية والأسلوب الأوروبي الحديث، فيما يحضر الروبيان بلمسات مبتكرة تمنحه بعدًا مختلفًا دون أن يفقد دفء البحر المتوسط الذي يميز المطبخ التونسي.
ولا يقتصر الأمر على هذه الأطباق فقط، بل يمتد ليشمل مجموعة واسعة من الأكلات التونسية الشهيرة التي يعيد المطعم تقديمها بأسلوبه الخاص، مثل الكسكسي التونسي، والملوخية، والطاجين التونسي، والبريك، إضافة إلى أطباق بحرية تعتمد على المنتجات الطازجة القادمة يوميًا من السواحل التونسية.

ورغم الطابع العالمي الذي يميز المكان، إلا أن روح تونس حاضرة في كل زاوية. في الألوان المستوحاة من البيوت العتيقة، وفي تفاصيل الزخارف، وحتى في طريقة تقديم الطعام التي تحمل شيئًا من الكرم التونسي القديم. وكأن المطعم يحاول أن يقول لزواره إن الحداثة لا تعني التخلي عن الجذور، بل إعادة اكتشافها بطريقة أجمل.
ما يميز “Delcapo” أيضًا أن زواره لا يأتون فقط لتناول الطعام، بل للعيش داخل تجربة كاملة. هناك من يأتي لاكتشاف المطبخ التونسي للمرة الأولى، وهناك من يعود بحثًا عن شعور معين تركه طبق أو جلسة أو حتى حديث عابر مع الشيف جمال صويدي، الذي يحرص في كثير من الأحيان على المرور بين الطاولات بنفسه، متابعًا أدق التفاصيل، وكأنه يستضيف ضيوفًا في منزله الخاص.

وقد نجح المطعم خلال فترة قصيرة في أن يصبح واحدًا من أبرز الأسماء في المشهد الغذائي التونسي، مستقطبًا عشاق الطعام من داخل تونس وخارجها، إضافة إلى عدد من السياح والدبلوماسيين والشخصيات المعروفة الذين وجدوا فيه صورة مختلفة للمطبخ التونسي الحديث.
وربما تكمن قوة “Delcapo” الحقيقية في تلك القدرة النادرة على الجمع بين البساطة والرقي. فكل شيء هنا يبدو مدروسًا بعناية، لكنه في الوقت نفسه يحمل دفئًا إنسانيًا يجعل الزائر يشعر وكأنه جزء من الحكاية.
في زمن أصبحت فيه المطاعم تتشابه سريعًا، استطاع “Delcapo” أن يصنع لنفسه شخصية خاصة، قائمة على الاحترام الحقيقي للمذاق، وللثقافة، وللتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق الكبير.
أما الشيف جمال صويدي، فلا يبدو أنه يكتفي بما حققه حتى الآن. فكل رحلة يقوم بها إلى أوروبا تحمل معها أفكارًا جديدة، وكل طبق يقدمه يبدو وكأنه محاولة جديدة لإثبات أن المطبخ التونسي قادر على الوقوف بثقة بين أكبر المطابخ العالمية، دون أن يفقد روحه أو ذاكرته أو دفء البيوت التونسية القديمة.
وهكذا، وبين عبق التوابل التونسية وأناقة التقديم الأوروبي، يواصل “Delcapo” كتابة حكايته الخاصة.. حكاية مطعم لم يكتفِ بتقديم الطعام، بل قرر أن يقدم تونس نفسها في طبق.
Leave a comment